الجبهة الشامية والسلطان مراد العامل الأيديولوجي كعامل هامشي في الصراع

الجبهة الشامية والسلطان مراد

العامل الأيديولوجي كعامل هامشي في الصراع

شهدت منطقة ريف حلب الشمالي التي تسيطر عليها فصائل درع الفرات اشتباكات بين الجبهة الشامية والسلطان مراد بتاريخ 15/10/2017 سقط فيها العديد من الضحايا، بعد هجوم شنته قوات السلطان مراد على المقرات العسكرية للجبهة الشامية في عدة بلدات بالريف الشمالي، الأمر الذي دفعَ الحاضنة الشعبية ممثلة بالمجالس المحلية والوجهاء المحليين والناشطين، إضافة إلى وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري وشخصيات ثورية مستقلة إلى التوسّط لإنهاء الاقتتال، وبعد عدّة اجتماعات أعلن كلا الفصيلين قبوله إيقاف الاقتتال بتاريخ 17/10/2017 برعاية الجهات الوسيطة.

يأتي القتال في سياق تسليم الجبهة الشامية لمعبر باب السلامة الحدودي مع تركيا إلى الحكومة المؤقتة بتاريخ 10/10/2017 وإعلانها نيّتها تسليم معبر بلدة حمران إلى الحكومة المؤقتة، بعد أن كانت تقتسم عائداته مع السلطان مراد، وسط دعوات صرح بها قائد فرقة السلطان مراد، العقيد المنشق أحمد العثمان لتشكيل جيش وطني موحد من الفصائل العسكرية، يعمل تحت مظلّة هيئة الأركان، ويدير المعابر التي تفصل المناطق المحررة عما حولها بالكامل.

تمهيد:

إنّ القتال الذي جرى بين كتلة الجبهة الشامية والسلطان مراد، لم يكن متوقعًا كما لم يكن مستغربًا، وذلك عائدٌ إلى عدد من العوامل المتناقضة، إن عدم وجود جهة مؤسساتية تحتضن وتكون حاملًا لجميع المجالس المحلية المنتخبة في الريف الشمالي، إضافة إلى غياب المرجعية السياسية لتمثيل الثورة محلّيّاً، والتواصل مع الطرف التركي، وبلوَرة مشروع مدني يحتضن مؤسسات المجتمع الجديدة، خلّفَ من ورائه فراغًا أبقى سلوكيات الفصائل والمجالس المحلية والمؤسسات الخدمية في حيّز ردود الأفعال، وأسّس للصراعات بين الفصائل، وأعطى مساحة أكبر للطرف التركي لملء هذا الفراغ باقتراحاته ومبادراته، بغرض تأمين المنطقة واحتواء الصراعات الفصائلية.

ويمكن وصف التحركات التركية إزاء الوضع في ريف حلب الشمالي بأنها كانت بطيئة، وأقلّ من استحقاقات المساحة المتوفرة لها، ويعودُ ذلك في بعض عوامله، إلى سياسة تركيا في عدم التدخل في خصوصيات الريف الشمالي المحلية، إضافة إلى الحساسية التي يمكن أن تخلقها أية مبادرة تقوم بها تركيا في المناطق الحدودية حول سؤال الهوية، وما سيثارُ عن أطماع لها داخل العمق السوري، الأمر الذي نفته تركيا مرارًا على لسان قادتها السياسيين.

بقيت الحالة الفصائلية تهيمن على الوضع العسكري لفصائل الريف الشمالي، على الرغم من تحرك العديد من الفصائل باتجاه التخلي عن التكوين البدائي للفصائل، والتحوّل إلى أنظمة الجيوش الحديثة، تسليحاً وتنظيماً، تفاعلًا مع التدريب والدعم المتقدم الذي تقدّمه تركيا، لكن غياب مشروع سياسي للثورة عامة والريف الشمالي خاصة، يضبط الملف العسكري المتشرذم أعاد خلق حالة التوتر بين الفصائل العسكرية، وأثار مخاوف النفوذ المتبادلة، خصوصاً مع إعلان تركيا([1]) انتهاء عملية درع الفرات بتاريخ 29/3/2017 وسيطرة الجبهة الشامية على غالب المعابر الحدودية مع تركيا ومع المناطق الكردية.

العامل الأيديولوجي كعامل هامشي:

يعدّ دور العامل الأيديولوجي في النزاعات المحتملة بين فصائل ريف حلب الشمالي هامشيّاً وضعيفاً، قياساً بعامل آخر أكثر ترجيحاً ونشاطاً، وهو الفصائليّة والنزاع على الموارد، والذي يعدُّ امتداداً أفقيّاً لواقع التشظّي والفصائلية العامة التي تعيشها فصائل المعارضة السورية.

إنّ انزياح الحراك الثوري إلى البُعد الأيديولوجي في التعبئة الشعبية، وحشد النشاط الثوري ضد النظام، لعب دوراً رئيسياً في خلق عقلية التمايز لدى الكتائب العسكرية المحلّيّة التي لم تكن تحملُ بنية أو عقلية أو اسم الفصائل بعد، الأمر الذي خلق تربة خصبة لمصالح الدول المختلفة، لشق الصفوف في محاولة منها لخلق أذرع لها على الأرض، تسمح لها بالتأثير والمشاركة في رسم ملامح المرحلة القادمة.

إنّ عمليّة درع الفرات التي انطلقت برعاية تركيا 24 أغسطس / آب 2016 لتحرير الريف الشمالي من داعش وميليشيات قوّات سوريا الديمقراطية، والخطوات التي تبعتها، لعبت دوراً بارزاً بإكساب المنطقة المحررة خصوصيّة من جوانب عدّة، فقد أفرز الموقف الحاسم الذي اتخذته تركيا وبعض فصائل الجيش الحر في الريف الشمالي إزاء المسار الأيديولوجي كأداة للتعبئة وهويّة للمشروع، واقعاً أكثر تقاطعاً مع مسار الحاضنة الجماهيرية من زاوية الفكر، خصوصاً بعد قيام جبهة النصرة – والتي تتبنى السلفيّة الجهاديّة، كهويّة وخطاب – بالهجوم على الفصائل العسكرية في إدلب، وسلبها للأسلحة والذخائر، الأمر الذي زاد من التعبئة والحشد ضدّ هذه الأيديولوجيا، داخل صفوف غالبية الفصائل العاملة في ريف حلب الشمالي، إضافة إلى الأثر السلبي الذي تركته تجربة “داعش” في حكم المناطق المحررة في الريف الشمالي في ذاك المجتمع، والذي بدوره أسهم بالحشد الشعبي ضدّ هذه الأيديولوجيا.

أحرار الشام، كمكون استثنائي:

لقد مرّت حركة أحرار الشام منذ بداية تأسيسها بأطوار متعددة من ناحية أيديولوجيا الهويّة والتعبئة، وخضعت لتجاذبات داخلية شديدة، بين التيار الثوري وتيار السلفية الجهادية، والذي عمل أخيراً على الدفع بالحركة للتفكير بالاندماج في صفوف هيئة تحرير الشام (وتشكل جبهة النصرة المصنفة دوليّاً بتهمة الإرهاب، عمودها الفقري) بعيداً عن حساب التبعات السياسية التي يمكن أن يخلّفها هذا الاندماج، وحتى بعد قيام هيئة تحرير الشام بمهاجمة حركة أحرار الشام في إدلب وطردها من مقراتها باتجاه ريف حماه الشمالي وجرابلس بتاريخ 17/7/2017، فإنّه لا يمكن القول بأن تغييرات أو حسماً ملحوظاً طرَأ على مشروع الحركة([2])، الأمر الذي أبقاها في المسافة الوسط بين البُعد الشعبي والبُعد الأيديولوجي، وأخرجها عن الإجماع الثوري في عدّة مواقف سياسية مشتركة لفصائل الثورة، منها اتفاق الأستانة الذي رعته تركيا.

يفسرُ هذا بوضوحٍ موقف تركيا الرافض لمنهجية الحركة، والذي انعكس في أكثر من موقف، وبالأخص في موقفها من بغي هيئة تحرير الشام على أحرار الشام في إدلب بتاريخ 17/7/2017م.

بالإمكان ملاحظة تمدُّد التجاذبات ذاتها التي يخضع لها مركز الحركة الأصل في إدلب، في ريف حلب الشمالي أيضًا، ومن غير الممكن ضبط إحصائية دقيقة على صعيد الأفراد لمختلف الفصائل العسكرية الأخرى العاملة في منطقة درع الفرات، تنفي وجود ميول فرديّة جهاديّة، أو تبنٍّ لأدبيات القاعدة بالكامل، أو بدرجات متفاوتة لدى الأفراد.

إنّ إفراد أحرار الشام بتشخيص منفصل عن باقي المكونات العسكرية، يعود لكونها خاضعة لعدّة حوامل فكرية في المسار التنظيمي، وتقدم نفسها كمشروع متكامل، يقف بالتوازي مع مشروع الثورة، وليس جزءاً منه، على الرغم من أنها تتقاطع معه في العداوات المشتركة، والحلفاء المشتركين، لكن مع ثِقَل وبطءٍ في حركتها الثورية، بسبب تجاذباتها الداخلية، وانفرادها في تبنّي المنظومة الجهادية كمنطلقات نظرية للهويّة، وأدبيات السلفية الجهادية كحامل للهيكلية، والخطاب الجهادي كأداة للتعبئة والحشد.

هيكلية الكتل العسكرية:

دوافع القتال:

18/9/2017 : قامت الحكومة المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري بدعوة الفصائل العسكرية العاملة في مختلف المناطق المحررة للعمل على التوحد ضمن جيش وطني واحد، تحت مظلة وزارة الدفاع([3]) وهيئة الأركان التي شكّلتها الحكومة، واستجابت لتلك الدعوة عدّة فصائل في الريف الشمالي منها الشامية والسلطان مراد.

10/10/2017 : قامت الجبهة الشامية بتسليم معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا إلى الحكومة السورية المؤقتة، بكافة كوادره البشرية وموارده المالية، في سياق الاستجابة لدعوة الحكومة المؤقتة لتشكيل جيش وطني موحد ينحصرُ نشاطه في المجالات العسكرية، وينضوي تحت وزارة الدفاع، في خطوة نحو تحقيق النموذج المدني في الإدارة، وتثبيت شرعية الحكومة المؤقتة كحامل تنظيمي للمؤسسات الخدمية في المناطق المحررة، بعد أن كان المعبر في السابق يخضع بكوادره البشرية وموارده المالية للجبهة الشامية.

وكانت الجبهة قد قامت في وقت سابق بإنشاء معبر في بلدة الحمران على نقاط التماس مع مدينة منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وذلك بهدف إيقاف عمليات التهريب التي تنتشر بكثرة في تلك المنطقة، ولتسهيل عمليات نقل البضائع من وإلى مدينة منبج، على أن تكون عائدات المعبر بين الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد.

تتفوق فصائل المعارضة في الريف الشمالي على الجبهة الشامية في نوعية علاقتها وصلتها بتركيا، الأمر الذي يدفعها للشعور بأفضلية أهليّتها لاستلام المعابر والمرافق التي تتضمن انخراطاً واحتكاكاً مباشراً مع الطرف التركي.

تزامن تسليم المعبر للحكومة المؤقتة مع تصريح صدرَ عن قائد فرقة السلطان مراد العقيد “أحمد العثمان”([4]) بأن الفصائل العسكرية في ريف حلب الشمالي تعمل على تشكيل جيش موحّد تحت مظلة هيئة الأركان، وأنه يأمل بأن يشرف هذا الجيش على كافة المعابر بإدارة موحدة، في إشارة منه إلى تأكيده قبول مقترح الجيش الموحد، ورفضه تسليم المعبر إلى الحكومة المؤقتة، ورغبته بإشراك كتلة السلطان مراد في إدارة المعبر، وذلك بالنظر إلى الخلفية العسكرية التي ينتسب إليها العقيد والتي ترى وجوب بقاء الموارد الثقيلة في يد الفصائل العسكرية.

إن هذا الرفضَ يعني بالمآل تبنّيَ موقفٍ معارض ورافضٍ لأبرز إفرازات النموذج المدني في إدارة المجتمعات الآمنة، والذي تعمل الحكومة المؤقتة لإقامته في الريف الشمالي، والذي – لو تمّ – فإنه سيحدُّ من تدخل الفصائل في الملفات غير العسكرية، وبالتالي يقطع الطريق على استفادتهم من موارد المعبر، كونه يتطلب نقل مسؤولية الإدارة والإشراف لمؤسسة الهجرة والجوازات في الحكومة المؤقتة.

بداية القتال:

بعد تسليم الجبهة الشامية معبر باب السلامة للحكومة المؤقتة بتاريخ 10/10/2017، عزمت الجبهة تسليم معبر الحمدان إلى الحكومة المؤقتة، إلا أن خطوة الجبهة الشامية هددت مصالح فرقة السلطان مراد المالية المباشرة، لأن لها جزءًا من عائدات هذا المعبر، خصوصًا بعد الفشل في تفعيل معبر الراعي والذي كانت فرقة السلطان مراد تأمل بالسيطرة عليه وإدارته، الأمر الذي دعا فصيل السلطان مراد لإعادة حساباته واتخاذ قرار الهجوم على الجبهة الشامية لإيقاف خطواتِها.

بدأ الهجوم بتاريخ 15/10/2017على المقرات العسكرية للجبهة الشامية في قرية الحمران التابعة لبلدة الغندورة على خط التماس مع قوات سوريا الديمقراطية في مدينة منبج، وقام جنود فرقة السلطان مراد بقطع الطريق بين إعزاز وجرابلس، وامتد هجومهم ليشمل مختلف المناطق التي تشهد انتشاراً للمقرات العسكرية لكلا الفصيلين في الريف المحرر، ما أدّى إلى سقوط العديد من الضحايا والجرحى، من المدنيين والعسكريين، من الطرفيين، ووقوع عدد من جنود السلطان مراد أسرى بيد الشامية.

انضمت فرقة الحمزة المنضوية في كتلة السلطان مراد إلى جانب فرقة السلطان مراد في هجومها على الجبهة الشامية، حيث قامت فرقة الحمزة بالهجوم على مقرات الجبهة الشامية، وقامت الجبهة بالردّ والسيطرة على أحد حواجز الحمزة، وحصلت اشتباكات مماثلة في سوق المازوت بين السلطان مراد وكتلة الشامية.

تم تسريب تسجيلات صوتية لقادة عسكريين في فرقة السلطان مراد، يتضحُ من خلالها أنّ مشكلة قادة فرقة السلطان مراد الأساسية هي موقفهم من خطوة الجبهة الشامية إزاء تسليم المعابر للحكومة المؤقتة، وأعرب القائد العسكري خلال التسجيل الصوتي الذي كان يحثُّ ويخاطب من خلاله عناصره، عن نيّته القضاء على الجبهة الشامية، ودعا عناصره للتهيّؤ للقضاء على كل عناصر الجبهة الشامية.

15/10/2017 : امتدت الاشتباكات إلى بلدة “تركمان بارح” التي تعد معقلًا لقوات السلطان مراد، وصرح رئيس المجلس الشرعي في حلب “محمد ياسر أبو كشة” بأنّ عناصر من السلطان مراد قاموا بإطلاق النار على ثانوية تركمان بارح خلال وجود الطلاب فيها، ودعا كلا الفصيلين إلى تحييد المدنيين والمدارس عن القتال”([5]).

وساطات الحل، وبنود الاتفاق:

15/10/2017 : وجهت وزارة الدفاع والمجلس الإسلامي السوري ومجالس محلّيّة، وشخصيات ثوريّة دعوات لكلا الفصيلين لوقف الاقتتال، وتوسطت للحل بينهما، فأعلنت كلٌّ من كتلة الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد في بيانين لهما قبولهما لدعوة الوسطاء السابقين.

لكن هجوم قوات السلطان مراد لم يتوقف بالرغم من قبوله بالوساطة، واستمرت الاشتباكات في مناطق عدّة، وتجددت الوقفات الشعبية ودعوات وزارة الدفاع والمجلس الإسلامي وشخصيات ثورية مستقلة، إلى وقف الاقتتال، واستمر الاقتتال والتوتر إلى اليوم التالي 16/10/2017 ليتم بعدها التوصل إلى اتفاق رعته الحكومة المؤقتة بتاريخ 17/10/2017 بعد عقد اجتماع حضره كل من كتلة الشامية وفرقة السلطان مراد وكتلة الجيش الوطني (البرنامج التركي للتدريب)، وهيئة الأركان وشخصيات ثوريّة ولجنة المجلس الإسلامي السوري، وكان من ضمن تلك البنود المتفق عليها:

  1. تثبيت وقف إطلاق النار وسحب المظاهر المسلحة.
  2. إطلاق سراح الموقوفين من الطرفين فوراً.
  3. تسليم إدارة المعابر الحالية وأيّ معبر يتم إنشاؤه لاحقاً إلى الحكومة المؤقتة.
  4. تشكيلُ لجنة قضائية للبتّ في قضايا الحقوق بين الطرفين، وتعهد الفصائل بالتزام القرارات الصادرة عن وزارة الدفاع وهيئة الأركان.

الخاتمة:

  1. إن ضعف التمثيل السياسي والترسيخ الميداني لمؤسسات الحكومة السورية المؤقتة المنبثقة عن الائتلاف السوري المعارض في المناطق المحررة عامة، وريف حلب الشمالي خاصّة، يعدُّ أحد الأسباب غير المباشرة المسؤولة عن فوضوية الملف العسكري للثورة، وسيادة الفصائلية كحالة اجتماعية، وصناعة السلاح للقرار المرتبط بمصلحة المجتمع المدني بدلًا من حمايته.
  2. إنّ غياب المرجعية السياسية الموحدة للثورة عامة، والريف الشمالي كتجربة ذات خصوصية خاصًّة، أفسحَ المجال لصعود المجالس المحلّيّة، والوجاهات الشعبية، لحصولها على دور أكبر في ملء وإدارة الفراغ السياسي والتنظيمي للمجتمع، الأمر الذي يُخلُّ بمأسسة المجتمع المدني والذي يجبُ أن تعمل فيه المجالس المحلية والمؤسسات الخدمية، ضمن حامل سياسي واجتماعي شامل، وليس بشكل منفصل، الأمر الذي يزيد من شرخ الهويّة والانتماء لدى الفرد، ويشكل عقبة على طريق مأسسة وإدارة المجتمع وفق نظام الدولة السليم.
  3. إنّ غياب السلطة القضائية العامة في الريف الشمالي، وغياب القوة العسكرية المخولة لتنفيذ مخرجات تلك السلطة، يؤسسُ لتنامي دور الوجاهات المحلية والجمهور الشعبي في حلّ الخلافات البينية بين الفصائل، الأمر الذي يضفي على الثورة وتفاصيلها طابعَ الحدث الفوضوي المنفلت، والنزاع الشعبي الأسري، ويجردها من أصلها الممثل بالحركة القيَمِية – والتي تتبنى قيماً سياسية واقتصادية واجتماعية مدنية وحضارية ــ والمنبثق عن مطالب الطبقات الاجتماعية المقهورة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
  4. يعدُّ بحث الفصائل العسكرية عن مصادر تمويل إضافية، وتوسيع مناطق النفوذ الميداني السببَ الأكثر حضوراً وفعاليةً في إحداث الصراع بين الفصائل في الريف الشمالي، قياساً بالعامل الأيديولوجي الذي يعدُّ عاملًا هامشيًا وضعيفًا في إشعال فتيل الصراعات، حيث لم يتم تسجيل أي معركة أو نزاع بيني في الريف الشمالي، كانت الأيديولوجيا سبباً رئيسيّاً فيه منذ انتهاء عملية درع الفرات بتاريخ 29/3/2017.
  5. إنّ الفصائليّة التي يعيشها الملف العسكري لريف حلب الشمالي، وتعدُّد السلطات والمحاكم تبعاً لاختلاف مناطق النفوذ، يخلُّ بالعدالة الاجتماعية وأمن المجتمع، ويعطل مصالح المدنيين وحياتهم ومستقبلهم، الأمر الذي يضعُ الجهات الدوليّة الحليفة للثورة والمؤثرة فيها أمام مسؤولية الضغط باتجاه إنهاء الحكم الفصائلي الفيدرالي في المناطق المحررة عامة، وريف حلب الشمالي ذي الخصوصية.
  6. إنّ الانكفاء الذي خلّفه تراجع مبدأ المبادرة لدى فصائل ونخب الثورة في الريف الشمالي بصيغة تراكميّة، مهّدَ وسهّل لتحوّلها لأداة وظيفية – كجزء من السياق العام الذي سيقَت له الفصائل – الأمر الذي يدعو للوقوف على تبعات ما يترتبُ على هذا الإشكال المزمن الذي أصيبَ به جسدُ الفصائل المعارضة، والذي يتمثلُ بإحجام المعنيّين بحمل وتمثيل قضية الثورة السورية عن ممارسة دورهم الأصلي الذي تندبه الثورة لهم، لخدمتها في ضوء خصوصية تجربتها وطبيعة ظروفها المحلّيّة، وليس بما تقترحه أو تفرضه الجهات الإقليميّة والدولية لملء الفراغ المتروك.
  7. يجب دعم خطوة الحكومة المؤقتة في استلام المعابر الحدودية للمناطق المحررة، لتثبيت المشروع الوطني ممثلًا بحكومة المؤسسات، وحصر النشاطات الأمنية والعسكرية بوزارتي الدفاع والداخلية لإنهاء النموذج الفصائلي، والتقدم باتجاه صياغة نموذج للإدارة والحكم المدني في مناطق الشمال المحررة، يمكن استخدامه كورقة قوة في مرحلة التحولات التي تمر بها سوريا بعد عامين على التدخل الروسي، وتطبيق اتفاقيات خفض التصعيد، والحديث عن الأستانة(7) ومؤتمر سوتشي والرياض(2).

[1] الجزيرة نت – تركيا تعلن انتهاء عملية درع الفرات بسوريا

[2] أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، جذور الصراع وإشكالية البنية – مركز طوران للدراسات

[3]الحكومة المؤقتة في بيان لها 5/9/2017 أعلنت عن تشكيل وزارة دفاع الثورة

[4]الحكومة المؤقتة تستلم معبر باب السلامة شمالي حلب , عنب بلدي

[5] قناة حلب اليوم : إطلاق نار من قبل عناصر فرقة السلطان مراد على ثانوية تركمان بارح

ان اعجبك المقال اشترك ليصلك كل جديد

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.