ارتدادات التدخل العسكري الإيراني في سوريا

إن اعتماد إيران على العمل الميليشياوي وما يحمله من رمزية عدوانية وعنفيّة، يهدف لاحتلال مكان مركزي في حالة الدفع إلى الأمام ضمن سياقات التسوية في سوريا، ولكي تكون بين القوى الفاعلة والمؤثرة في تشكيل المشهد الجديد لها، كما وضعت من خلال البنى الميليشياوية الأساس لفرض تأثير طويل الأمد، بدأت ملامحه تتضح من خلال تلاشي البنية المؤسساتية لجيش النظام، وبدء إيران العمل على صناعة “دول صغرى” بمؤسّساتها التعاضديّة الخاصّة، وبمؤسّساتها العسكريّة الطائفيّة على نموذج حزب الله اللبناني، وحشد نسبة كبيرة من الشيعة “الإثني عشرية” إلى جانبها من داخل سوريا وخارجها، والدفع ببعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى المشاركة من خلال التدريب أو التمويل أو التسليح، لتتحول البلاد إلى ساحة حرب بالوكالة بين تلك القوى.

مقدمة

تطوّر المشروع التوسعي الإيراني الطامح إلى لعب دور كبير في منطقة الشرق الأوسط، ودور أكبر على مستوى العالم بدأ مع استلام الملالي زمام السلطة في إيران عام 1979م، ومع وصول الرئيس السابق “أحمدي نجاد” تحديدا إلى سدة الحكم في شهر آب لعام 2003م وتدشينه “الخطة التنموية الخامسة” ضمن إطار ميثاق أفق العشرين عاماً (الأفق العشريني) الذي تأسس على قاعدة مذهبية لتحويل إيران بحلول عام 2025م إلى المركز الأول إقليمياً على كافة الصعد[1]، وتحديد مفهوم هذا “الإقليم” بأنه “منطقة جنوب غرب آسيا”، التي تشمل كلاً من آسيا الوسطى والقوقاز، والشرق الأوسط ودول الجوار التي تشتبك إيران مع الوطن العربي عبرها بدائرتين أساسيتين هما دائرة الشرق الأوسط ودائرة الخليج.

اعتمدت إيران في إطار استراتيجيتها الإقليمية – الدولية للسيطرة على المنطقة، على السير في خطين أساسيين، تمثل الأول بتحسين علاقاتها مع ما يمكن من الأنظمة والجماعات في دول المنطقة، على نحو ما فعلوا مع نظام الأسد في سوريا وكذلك النظام العراقي، والثاني محاولتها تصدير الثورة إلى بلدان الجوار مستغلة وجود الشيعة في الجماعات الوطنية في تلك البلدان، فمثلا يعتبر حزب الله اللبناني أحد أهم مخرجات الثورة الإيرانية، وتدعم تنظيم الحوثي الذي أجرى عملية الانقلاب في اليمن، والمعارضة البحرينية وتسعى لتطوير عملها بما يضمن لها السيطرة على المملكة، من خلال مؤسسات تقليدية وثورية (دستورية) باتت مواقفها معلومة مما يدور في المنطقة والعالم، وفي مقدمة تلك المؤسسات الحوزة العلمية وحرس الثورة الإسلامية[2].

ونظرا للمكانة الخاصة التي تحتلها سوريا في الاستراتيجية الإيرانية بسبب موقعها الجيوسياسي في عمق إقليم الشرق الأوسط، وطبيعة العلاقات بين نظامي البلدين، فقد اندفعت إيران للانخراط في المسألة السورية بكل إمكانياتها السياسية والعسكرية، لتعكس التصريحات المتكررة الصادرة عن مسؤوليها السياسيين أو الدينيين أو الميدانيين أهمية هذه المكانة، منها ما أعلنه القائد السابق للحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين همداني – العقل المدبر لإيران للسيطرة على سوريا – قبيل اغتياله بحلب السورية التي تواجد فيها كوكيل إيران في سوريا في تشرين1 2015م “أن إيران تقاتل اليوم في سوريا دفاعاً عن مصلحة ثورتها”.

تبحث الدراسة التدخل العسكري والأمني الإيراني الذي أخذ يتمدد منذ بداية الثورة السورية ودفعها لميليشياتها الشيعية للقتال إلى جانب نظام الأسد، من حزب الله اللبناني إلى المليشيات العراقية والأفغانية وصولاً إلى تنظيم المتطوعين الإيرانيين، مما شكل مقدمات تنامي النفوذ الإيراني العميق داخل النظام وفي المناطق التي يسيطر عليها، وما ينتج عن ذلك من آثار وانعكاسات من خلال الاعتماد على منهجين في البحث العلمي: الوصفي والتحليلي، أو كلاهما معا.

 وتتجلى أهميتها في تسليط الضوء على ما يخطط له صانع القرار الإيراني من خلال علاقته مع نظام الأسد، ومراحل تدخله العسكري في ضوء ما تمليه عليه المصلحة القومية ومتطلبات الأهداف الأيدولوجية.

أولا: العلاقة بين النظام السوري ونظام ولاية الفقيه في إيران

يُعتبر التشابه بين النظامين في سوريا وإيران هو الأمر الذي سهّل اتخاذ القرار المتعلق بتوثيق الروابط بينهما، خصوصاً أن النظام الإيراني تتركز فيه سلطة القرار في يد الولي الفقيه “، مثلما كانت تتركز السلطة “في يد” حافظ الأسد”[3] ويد ابنه من بعده، كما وجد كل منهما ضالته في الآخر، فإيران التي تعتمد استراتيجيتها على ضرورة ترسيخ وجودها في المنطقة منذ الأيام الأولى للثورة الإيرانية، وهو ما لم يدركه نظام حافظ الأسد حينها، وعدم قدرتها على خوض حروب عديدة لتحقيق هذه الاستراتيجية، أرادت أن تعتمد على بناء القوى الدفاعية من جهة، ووضع نهج سياسي يمكّنها من بناء تحالفات في المنطقة تعزز قدرتها على تحقيق أهدافها، وهذا ما شاهدناه من إنشاء حزب الله وميلشيات الحوثيين[4]، مقابل ذلك وجد نظام الأسد في إيران تأمينا لمحيط سورية الإقليمي، وهو الأمر الذي يعود لطموحاته الإقليمية ورؤيته للمخاطر والتهديدات المحتملة في المحيط الإقليمي الذي تشكل سورية جزءا منه، بسبب سياساته التدخلية أو التصادمية أحيانا التي أكسبت سورية الكثير من الأعداء الذين ظلوا متربصين بها، من دول الجوار الإقليمي ومن ساندها من قوى دولية، وإدراكه للثقل الإيراني في معادلات التوازن الشرق أوسطية، وعلى الرغبة الإيرانية الواضحة في تنويع علاقاتها الإقليمية وتحجيم العراق.

وبما أن الشاه إسماعيل الصفوي في العام 1501م أعلن أن مذهب الشيعة الإثني عشرية مذهب رسمي للدولة الصفوية، فقد استقطب لذلك علماء المذهب من جبل عامل في لبنان، فارتبطت إيران وجبل عامل برابط تاريخي منذ ذلك اليوم وحتى الآن، جعلت هذه الأهمية الجيوبوليتيكية لموقع سوريا الجغرافي تأخذ حيزا واسعا من سياسة النظام الإيراني التي تعتبر أبرز ميزاتها التخطيط والنفس الطويل.

ويمكن الوقوف هنا على بعض صور التعاون فيما بين النظامين خدمةً لأهداف كل منهما:

1 -دفع الصراع بين جناحي البعث في كل من سوريا والعراق بقوة صانع القرار في دمشق كي يفتح نافذة جديدة على العلاقات السورية-الإيرانية بسبب أن دعم العلاقات مع إيران، من وجهة النظر السورية، سيضع العراق بين فكي كماشة، وبالتالي يقلص من قدراته في المواجهة السياسية مع سوريا، وبناء على العلاقة المتوترة مع العراق، تطورت العلاقات السورية – الإيرانية فيما يخص الوضع في العراق وقضايا المنطقة.

2 -برزت نقطة التقاء مشتركة بين كل من سوريا التي اعتبرت لبنان شأناً محلياً سورياً، وإيران الشاهنشاهية التي لم تَتَخَلَّ عن طموحاتها الإقليمية والعقائدية، وتنامي دور الإمام موسى الصدر الإيراني الأصل والجنسية، والذي هاجر إلى لبنان عام 1957، ومساهمته الأكيدة في رص صفوف الطائفة الشيعية اللبنانية نحو المطالبة بحصة أكبر من الدولة اللبنانية[5].

3 – الحرب العراقية-الإيرانية ووقوف الأغلبية العربية إلى جانب العراق، أدت إلى توثيق علاقات إيران مع نظام الأسد في سوريا عبر مصالح مباشرة للطرفين، إذ كسر نظام الأسد وحدة الموقف العربي من إيران وسياساتها[6]، وقام النظام بإغلاق أنبوب النفط العراقي كركوك- بانياس، وحرم العراق من موارده المالية، وتسلم بالمقابل نفطاً إيرانياً، وبموقفه هذا سيطر على موقف لبنان الهام في الاستراتيجية الإيرانية، كما تحول إلى قناة دبلوماسية للتحاور غير المباشر بين بين دول الخليج العربية وإيران.

4 –الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982م وانكسار القوات السورية في مواجهته أدى إلى ظهور الوجود الإيراني في الأراضي اللبنانية إلا أن النظام السوري اشترط حينها الاحتفاظ بوكيله المحلي “حركة أمل”  كطرف أول على الساحة اللبنانية مقابل حليف إيران “حزب الله” الذي جسد تشكيله ديالكتيك الوحدة والصراع في إطار التحالف الإيراني-السوري وتشكيل جبهة المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله إيذاناً بخروج الشأن اللبناني من الهيمنة السورية المطلقة إلى الهيمنة السورية النسبية بسبب النفوذ الإيراني، ليبقى القاسم الأكبر بينهما “دمشق وطهران”  متمثلاً في الاتفاق على إبقاء المقاومة اللبنانية وسلاحها كورقة ردع ضد إسرائيل، ولكن أدوار كل من طرفي التحالف في لبنان بدأت تتعدل لمصلحة إيران التي صارت شريكاً فعلياً لدمشق في لبنان[7].

5 – التنسيق لرسم استراتيجية سوريا وإيران تجاه العراق منذ حرب الخليج الأولى ووساطة سوريا بين إيران والسعودية خصوصاً، وبقية دول الخليج، مروراً بغزو الكويت ودخول سوريا في الحلف الأمريكي ومن ثم العمل على إسقاط نظام صدام بشرط أن يسقط في الحضن الإيراني، و التعاون معا في تقدير قوة وقدرة المعارضة العراقية وخصوصاً الشيعية على إسقاط صدام، ودراسة موقف دول الخليج وخصوصاً السعودية من إسقاط صدام، وكيفية استغلال السعودية للمساهمة في ذلك للتمويه على المطامع الإيرانية، وكيفية التعامل مع أمريكا في تحقيق ذلك السقوط لنظام صدام شريطة أن لا يؤدي لتفرد أمريكا بالمنطقة، لأن ذلك سيعرّض أمن كل منهما (إيران وسورية) للخطر وفق رؤيتهما، و اتفقا على ضرورة دعم بقاء (الذئب الجريح = نظام صدام) طالما أن البديل لن يكون في صالحهم ولو تطلب ذلك دعم بقاء صدام، وضرورة الاستعداد لقيام مقاومة طويلة ضد الأمريكان لضمان أمن سوريا وإيران بإشغال القوات الأمريكية في العراق حتى تتعب، [8] إلا أن الأمر  تحقق عقب الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003م وفق ما خططا له وسيطرت المعارضة العراقية الشيعية على الحكم في بغداد، وبالتالي تمخض عن حرب الخليج الأولى والثانية والتطورات على الساحة الإقليمية خروج إيران من عزلتها الدولية وأصبحت لاعبا أساسيا في أمن الخليج مع أمريكا بعد خروج العراق من المعادلة الإقليمية.

 6 – منح حافظ أسد معسكر نبع بردى للقوات الإيرانية عام 1982، والتي أرسلها الخميني للمساعدة في حرب لبنان، ثم تحول هذا المعسكر لمعسكر تدريب لحزب الله (الشبيبة الإسلامية) وقاعدة ومستودع ذخيرة هام للحزب، وصار منطلقا لعملياته بعد الثورة  وبنى داخل الأراضي السورية مجموعة كبيرة من المراكز والكهوف التي تحتوي كل صنوف الأسلحة بما فيها أسلحة الدمار الشامل، بينما إيران تخطط لاستكمال الجزء العسكري من برنامجها النووي في هذه المراكز التي تقع على الحدود اللبنانية داخل كهوف في مناطق وعرة في الأراضي السورية[9]، وقتلت قواته في العام 1987م، في ثكنة “فتح الله” غرب بيروت سبعة وعشرين عضواً من “حزب الله”[10]، في خطوة تهدف إلى حرص الرئيس السوري السابق على إظهار يده العليا وعدم السماح لإيران بإطلاق يدها دون المرور عبر البوابة السورية، وهو الأمر الذي عكسه المرشد الأعلى علي خامنئي بقوله لأمين عام حزب الله اللبناني عندما جاءه خائفا و حافظ الأسد على فراش الموت: “إن موقف بشار الأسد من إيران وحزب الله سيكون أفضل بمراتب عديدة من موقف والده”[11]. بالفعل ما إن استلم بشار الأسد السلطة في سوريا حتى أطلق يد إيران فيها في كل المجالات وتغلغلت داخل المجتمع السوري بكل مؤسساته وبدأت البعثات التعليمية التخصصية ترفد جامعات إيران من الضباط السوريين، وزودت بدورها إيران المؤسسة العسكرية التابعة للنظام السوري بالخبراء والمستشارين وصنوف متعددة من السلاح، منها على سبيل المثال عربات الاستطلاع  التي تستخدم للتشويش والتنصت، وذهبت أبعد من ذلك في صفوف الجيش وطال نشاطها الجانب الثقافي والتربوي بهدف تكوين بناء معرفي في تلك المنظومة يتبع لها من الناحية الفكرية، ووزعت عبر خبرائها، بالتعاون مع المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق، الكتب والكراسات التي تشرح عقيدتها الشيعية ككتاب نهج البلاغة وشروحه من وجهة نظر علمائهم في صفوف الحرس الجمهوري مثلا، وبدوره زود نظام الأسد ( بشار الأسد) حزب الله بالصواريخ النوعية نزولا عند رغبة إيران وهو ما لم يُقدم عليه والده من قبل، مستفيدة من تنامي نظامي الأسد وخامنئي كأرباب “المقاومة والممانعة” بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006م عندما أوعزت طهران لحزبها في لبنان بضرورة إيجاد ذريعة لعدوان إسرائيلي على لبنان، وهو ما تم بالفعل عبر  خطف حزب الله اللبناني لجنود إسرائيليين على الحدود اللبنانية – الفلسطينية[12]، ومع اندلاع الثورة السورية بداية العام 2011م وشعورها بأن سوريا بدأت تخرج من يدها عملت على إرسال المستشارين والخبراء العسكريين وتقديم الدعم المادي والعسكري والسياسي، وأوعزت لميليشيا حزب الله اللبناني للقتال في سوريا إلى جانب النظام، وتدريب مقاتلين للنظام وحزب الله في معسكرات على أراضيها أو على الأراضي السورية لما لها من خبرة في قمع الاضطرابات والمظاهرات، وصولا إلى تجنيد مقاتلين من شيعة العراق وأفغانستان من باب الاعتماد على هياكل ووكلاء مسلحين لها كما تفعل ذلك في لبنان والعراق من أجل تأمين مصالحها وتعزيز وجودها.

ثانيا: مراحل التدخل العسكري الإيراني في سوريا: حجمه وأهدافه

أ – مراحل التدخل العسكري الإيراني:

عارض جيش النظام في البداية التدخل الإيراني عبر الحرس الثوري في شؤونه الداخلية، وفق الخطة التي أوردها كتاب رسائل السمك الصادر عن دار نشر تابعة للحرس الثوري الإيراني بأن إيران أعدت بقيادة فيلق القدس خطة تتشكل من خمسة أبواب (عسكرية، أمنية، اقتصادية، سياسية، ثقافية) أسقط منها حسن نصر الله ثلاثة مفاصل وقدم المحور الأمني والعسكري بعد عرض الخطة عليه من قبل همداني، عملا بأوامر المرشد الأعلى “بأن تكون السياسات الكلية لمحور المقاومة وسوريا تحت إشراف الأمين العام لحزب الله”، الأمر الذي يدل على أن أمين عام حزب الله اللبناني فاعل ومؤثر في القرار بشأن سوريا[13].

ونظرا لتناقض تصريحات المسؤولين الإيرانيين وتناقض تصريحات الأمين العام لحزب الله ردا على ما وجه له من جهات دولية عن تواجد عناصره إلى جانب قوات النظام في اعتقال المدنيين وتعذيبهم، والتحول إلى السلاح في المسار الثوري، وتوقيف تركيا لشحنتين في آذار/ 2011م، ومصادرتها لـ /19/ حاوية فيها رشاشات وأسلحة مضادة للدبابات من طائرات إيرانية كانت تتجه إلى سوريا، وتوقيفها لشاحنة أخرى كانت تحمل ثلاثة أطنان من البارود والصواريخ من إيران في طريقها إلى سوريا[14]، يكشف في وقتٍ مبكر عن “الدور العسكري الإيراني” في سوريا مبررين ذلك بالاتفاقيات الأمنية والعسكرية المشتركة بين طهران ودمشق، والذي يمكن إيجازه في المراحل التالية:

أ _ مرحلة الدعم التقني والتدريب وتقديم المشورة: لأنها رأت أن الثورة السورية تماهت في البداية مع معطيات الثورة الخضراء وبالتالي كانت المقاربة أمنية وتحتاج إلى الدور الإيراني، منها على سبيل المثال إرسال مستشاري في المجال الإعلامي وتزويد جهاز الإعلام العسكري التابع للنظام في الإدارة السياسية بتوجيهات ومحاضرات عن دور الإعلام وكيفية إدارته في الأزمات الداخلية للدول، أو تزويد الأجهزة الأمنية ببعض المعدات التقنية وتوزيعها على عناصر في جيش النظام خلال المظاهرات منها الستر الجلدية السوداء التي وزعت على بعض عناصر الحرس الجمهوري ومزودة بلاسلكي وجهاز الكتروني يثبت في الظهر، يتصل بواسطتها صاحبها مع غرفة عمليات وينقل لها مباشرة أسماء المنظمين والفاعلين أصحاب الخطب الحماسية والمحرضين على التظاهر وأعداد المتظاهرين لإعداد آلية التعامل معهم، و تكنولوجيا مراقبة البريد الإلكتروني والهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، كما ألزمت المشورة الإيرانية قوات الأسد بضرورة ضمان أمن المناطق الحضرية الرئيسة (المدن)[15]، من خلال نشر القناصة وتفريق المتظاهرين بالقوة وغير ذلك، وهو ما عبر عنه صراحة قاسم سليماني قائد ميليشيا “فيلق القدس” في أيار 2011م أمام طلبة “مدرسة حقاني” في مدينة قم لدى شرحه أسباب توجه إيران وبالتحديد فيلق القدس للتدخل في سوريا لوقف الثورة بقوله: “نصر إيران اليوم أو هزيمتها لا يكونان في مهران أو هر مشهر، حدودنا تمددت، كل ما يحدث في مصر والعراق ولبنان وسورية هو من ثمار الثورة، علينا أن نثبت نصرنا هناك”.

ب _ مرحلة الدعم الإعلامي كغطاء على الحضور العسكري: وتمتد هذه المرحلة خلال العام 2012م، وتمثلت بالدعم الإعلامي الواسع وتجاهل الفعاليات الثورية، والترويج لمقولات النظام حول نظرية المؤامرة وإثارة مخاوف الأقليات على مستقبلهم في سوريا والمنطقة، وظهور الخطاب الطائفي وسياسة الحشد والتجييش والتبرير بقوة للمواقف التي يمارسها “محور المقاومة والممانعة”، ليكشف بوضوح هذا المحور السياسي عن بعد مهم ألا وهو البعد المذهبي.

كل ذلك كان في الظاهر، ويعكس ما يدور وراء الكواليس مدى الحضور الإيراني العسكري على الساحة السورية، وسيطرته على مواقع اتخاذ القرارات وتنفيذها كشَفها رئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب، الذي انشق في آب 2012م بقوله “سورية محتلّة من جانب النظام الإيراني، الشخص الذي يدير البلاد ليس بشار الأسد ولكن [قائد قوة القدس] قاسم سليماني”، واعتراف المستشار في “فيلق كربلاء “عين الله تبريزي” التابع للحرس الثوري بمقتل ألف و200 عسكري تابع لقوات بلاده في سوريا منذ عام 2012م[16]، إضافة إلى الارتفاع في الدعم المادي والعسكري الإيراني ردًا على تدفق الأسلحة والذخيرة الذي يلوح في الأفق إلى الثوار من دول أصدقاء الشعب السوري.

ج _ الدعم العسكري العلني والحرب المقدسة بحجة حماية المراقد: تمتد هذه المرحلة من بداية العام 2013م وحتى بداية العام 2017م، وظهرت خلالها نتائج التدخل العسكري الإيراني المبكر في سورية المتمثل بإعادتها تنظيم “شبيحة” نظام الأسد المسلحين و”اللجان الشعبية” في إطار ميليشيا تضم  حوالي 100 إلى 150 ألف مقاتلٍ تُعرف باسم “قوات الدفاع الوطني”[17]، باعتبار سوريا مريضة ويجب إجبارها على تناول الدواء كما جاء في توصية الخامنئي للمسؤولين العسكريين الإيرانيين المكلفين بمهمات في سوريا،  كل ذلك مرده تزايد الانشقاق وبروز التصدع في بنية التشكيلات العسكرية، حيث تجاوز عدد الضباط المنشقين حتى منتصف عام 2013م ستة آلاف وخمسمئة ضابط من مختلف الرتب، ثلث عدد ضباط الجيش، أما ضباط الصف فتجاوز عدد المنشقين الأربعين ألف منشق، منهم من لجأ إلى دول الجوار ومنهم من التحق بصفوف الثوار والجيش الحر، إضافة إلى ما يقارب عشرة آلاف من ضباط وضباط صف وأفراد تم اعتقالهم على مدى سنوات الثورة، وقتلى المعارك والجرحى أصحاب الإصابات العجزية، ويقدر عددهم بخمسين ألفا بين ضابط وجندي[18]، وتمثل سياسات النظام الحالية نتائج المعطيات السابقة، كمحاولاته التعويض من خلال التجنيد الإلزامي، أو اعتقال الشباب على الحواجز أو سَوق أبناء المدن التي عقدت المصالحات إلى الخدمة في صفوف  قوات جيشه، إضافة إلى انهيار القوى العسكرية للنظام وانكفائها لتأمين المدن وعقد المواصلات وتطويق الثوار دمشق وسيطرتهم على مناطق استراتيجية في محيطها، كل هذا دفع إيران إلى التدخل الميداني المباشر والموسع بشكل ممنهج بلغ أوجه و نقطة تحوله في 21نيسان 2013م عندما أصدر سليماني أمراً لميليشيا “حزب الله” بالتدخل في سوريا بمساعدة قوات النظام التي تحاصر مدينة القصير، لتكون أول مرة تدخل فيها الميليشيا في عملية واسعة علناً في سورية، خسرت فيها المئات من المقاتلين، كما خسرت إيران ثمانية من قادتها التابعين لميليشيا فيلق القدس، كانوا يديرون المعركة في القصير[19].

 شهدت هذه المرحلة تطورات دراماتيكية على الساحة السورية، أبرزها ظهور تنظيم الدولة ” ISIS” وسيطرته على مساحات واسعة في محافظات حلب وإدلب والرقة والحسكة ودير الزور بعد تحريرها عام2012م. وإرسال النظام الإيراني للميليشيات الشيعية التي يعتبر أولها وأشهرها لواء أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق إلى سوريا بسبب تزيين الدعايةِ الإيرانية الحربَ السورية للشيعة في العراق وإيران وباكستان وأفغانستان على أنها كفاح شيعي من أجل الدفاع عن الإيمان ومواقع آل البيت المقدسة في الشام وحمايتها، وهو ما أقره وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري مبينا أن ذلك لا يتم من خلال سياسة حكومية عراقية، بل أن هؤلاء ينظرون إلى القتال في سوريا على أنه جهاد مقدس، وأنهم تطوعوا للقتال لأسباب عقائدية ومالية وبتشجيع من إيران[20]، في محاولة منها لإذكاء وتوظيف البعد المذهبي للتجييش ضد الثورة السورية، واستلام إيران القيادة العسكرية بشكل مباشر في المعارك جنوب سوريا وانتداب قاسم سليماني ليكون على رأس المهام القتالية هناك، بحجة مقتل عدد من القادة العسكريين الإيرانيين في القنيطرة إثر الغارات الإسرائيلية[21]، واجتماع وزراء الدفاع الروسي والسوري والإيراني في حزيران من العام 2016م في طهران لبحث تنسيق الدعم السياسي والمالي والعسكري فيما بينهم لنظام الأسد ضد مقاتلي المعارضة، ودورها الكبير الذي لعبته في تسيير وإدارة العمليات العسكرية في مدينة حلب، خاصة خلال الفترة الممتدة بين تشرين الأول من العام 2015م وحتى بدايات العام 2017م، رغم التدخل العسكري الروسي حيث اعتمدت على الدعم الجوي الكثيف من قبله لإنجاح مهامها، ليظهر لاحقا سعي الروس لتحجيم الدور الإيراني المتنامي على الساحة السورية، وقد تجلى في تخوفهم من الكتائب التي شكلتها إيران بسوريا، واقتراحهم بضم تلك الكتائب إلى القوات المسلحة السورية النظامية، تلك التي تقيم معها موسكو علاقات ممتدة منذ منتصف القرن العشرين، ما أثار الامتعاض الإيراني[22].

د _ مرحلة الانحسار ومحاولة التجديد والحفاظ على الدور: تبدأ من مطلع العام 2017م وترافقت مع استلام الإدارة الأمريكية الجدية التي تضع في أولويات برنامجها المتعلق بالشرق الأوسط تحجيم الدور الإيراني، ومع الحراك السياسي المتعلق بالثورة السورية سواء في (جنيف أو أستانة)، وقد أدت اتفاقيات خفض التصعيد إلى تهدئة الجبهات الداخلية والدفع بإيران وميليشياتها مع قوات النظام باتجاه البادية السورية، وهو الأمر الذي كلفها خسائر مادية وبشرية كبيرة، فقد أدى الهجوم على قوات مجموعة سيد الشهداء في حدود التنف إلى خسائر بشرية كبيرة عادت بموجبها إلى دمشق ليتم تجهيزهم من جديد وإبلاغهم بعملياتهم المقبلة من قبل قوات الحرس. وتتواجد جزء من هذه القوة في منطقة تدعى “المدارس” في دمشق، بقيادة حيدر الأعرجي في سوريا، كونها تنتشر أيضا في جبهة الحويجة بالعراق بقيادة محمد العراوي، وعلى إثرها بدأ النظام الإيراني بتغييرات في عدد من قادة قوات الحرس ومسؤوليه في سوريا منها:

  1. عميد الحرس اكبري بدلا من عميد الحرس فلاح بور، مسؤول أمن المعلومات وأمن قوات الحرس والسفارة.
  2. عميد الحرس حسين أمان الذي كان سابقا ضمن قوات إسناد حرب سوريا في طهران، تم نقله إلى سوريا وهو المسؤول عن اللوجستية للجبهة الوسطى ودمشق ودير الزور، ويعود سبب هذه التغييرات إلى تصعيد النشاطات الحربية من قبل النظام الإيراني لفرض سيطرة أكبر على سوريا.

ب – حجم النفوذ العسكري الإيراني وأهدافه

على الرغم من عدم توفر إحصائيات دقيقة لعدد المقاتلين الشيعة المنتشرين في عدد كبير من المناطق السورية، بسبب تبدل أعداد تلك الميليشيات باستمرار حسب طبيعة العمليات العسكرية والأهداف المرسومة، وعدم وجود تصريحات رسمية تتعلق بهذا الشأن، إلا أن عددهم يفوق عدد قوات الأسد في سوريا سواء لقوات النظام الإيراني أو المرتزقة، حيث تحدث الجنرال همداني في نيسان 2014م في تصريحات نشرتها وكالات أنباء إيرانية تم حذفها لاحقا عن وجود /42/ فرقة، و/128/ كتيبة، و/70/ ألف مقاتل من قوات التعبئة السنة والعلويين والشيعة، تأخذ على عاتقها حماية أمن المدن والقرى السورية، إضافة إلى /130/ ألف باسيجي من الحرس الثوري الإيراني ينتظرون الإذن بالذهاب إلى سوريا[23].

وأفادت المعلومات التي قدمتها شبكات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من داخل النظام الإيراني ومن داخل قوات الحرس بشكل سري، عن إنشاء القوات الإيرانية لمقرات قيادة مركزية لها في سوريا أهمها:

■ثكنة الشيباني: وتُعرف بثكنة “الإمام الحسين”، حيث تقع شمال غرب مدينة دمشق.

■المقر الزجاجي: وهو مقر يقع بجانب مطار دمشق، وتعد هذه الجبهة من أهم الجبهات التي من خلالها يتم توزيع المليشيات الإيرانية.

■مقر قيادة الجبهة الشرقية: ويعد من الجبهات الهامة أيضا، التي تشهد تواجدا كبيرا للمليشيات الإيرانية، حيث يقع بعد مدينة الضمير ب 50 كم من طريق دمشق – بغداد، ويجمع محافظات الحسكة، ودير الزور، والرقة والقامشلي.

■مقر الجبهة الجنوبية: وتضم الجبهة مناطق ريف دمشق ودرعا والقنيطرة والسويداء.

■مقر الجبهة الشمالية: وتمتد تلك الجبهة من مدينة حمص فما فوقها حتى الحدود التركية شمال البلاد في حلب وإدلب، وتضم قيادة عمليات حلب، حيث ترابط هذه القيادة في أكاديمية الأسد في مدينة حلب.

■مقر قيادة جبهة الساحل وتضم تلك الجبهة منطقتي اللاذقية وطرطوس، ويتضمن معسكر الطلائع “معسكر الشبيبة”[24].

تعتبر مقرات القيادة بالإضافة إلى ما رصده مقاتلو المعارضة السورية ونشطاؤها مؤشرا على العدد الكبير للنفوذ العسكري الإيراني في سورية، نظرا لأهمية تلك المقرات من وجهة النظر العسكرية في مراقبة جميع نشاطات الوحدات الميدانية في تلك المناطق، وتمكين القادة من اتخاذ القرارات المناسبة في حينها، وتنسيق سير المعركة لحماية الأهداف الحيوية، وتحديد الواجبات المطلوبة من كل وحدة قتالية ومراقبة تنفيذها، إضافة إلى خضوع المليشيات لدورات تدريب على القتال في معسكرات خاصة تابعة لفيلق القدس وقوات الحرس الثوري في إيران منها:

■ثكنة (إمام علي): زاد حجم الدورات التدريبية فيها إثر توسع تدخلات النظام الإيراني في سوريا منذ عام 2013م، وتلقى عدد من ملالي جامعة المصطفى في “قم” التدريب فيها، وتم إرسالهم إلى سوريا أيضا، كما تلقى أعداد كبيرة من البحرين تدريبات في هذه الثكنة.

■ ثكنة لوشان الخاصة للتدريبات الخاصة، تقع هذه الثكنة بالقرب من مدينة منجيل بجانب مدينة لوشان، ولدى قوات الحرس معسكر تدريبي كبير في هذه المنطقة اسمه” إمام خميني“ويسيطر فيلق القدس على جزء منه.

■ ثكنة جمران الخاصة لتدريب العناصر الأفغانية للإرسال إلى سوريا، وتقع على بعد 5 كيلومترات من معسكر جليل آباد في قضاء بيشوا في جنوب شرقي طهران.

يبدو جليا وجود رؤية واستراتيجية سياسية وعسكرية محددة لدى إيران، فإنها تعمل جاهدة على تنفيذها من خلال مجالات ومؤسسات متنوعة، مستخدمة أدوات القوة بشقيها الصلبة والناعمة، لذلك سارعت بعد مرحلة طويلة من العمل بأدواتها الناعمة للتدخل العسكري في سورية وزيادته وتدريبه ونشره كما يتطلب مسرح العمليات، معتمدة على حسابات مذهبية واستراتيجية بينها وبين كل من نظام الأسد وحزب الله والعراق، حيث يعود ذلك التحالف إلى تقديره حجم الخسائر الكبيرة التي سيدفعها في حال انهيار النظام في سوريا أو تغييره، باعتبار سوريا نقطة التواصل الجغرافي مع مواقع النفوذ الإيراني في الإقليم خاصة حزب الله في لبنان، وحركات المقاومة في فلسطين، إضافة إلى أن إسقاط النظام في سورية يصب في صالح السنة في العراق ولبنان، وضررا لحلفاء إيران من الشيعة وبالتالي حصارا لإيران وانحسارا لمحورية دورها الإقليمي، وتوسعا للنفوذ السياسي التركي، عدوها التاريخي في المنطقة.

ثالثا: الآثار الناجمة عن التدخل العسكري الإيراني

رغم أن التدخل العسكري الإيراني ساهم في صمود نظام الأسد، وأدّت الزيادة الكبيرة في القوات الإيرانية على الساحة السورية إلى تصاعد كبير في النهج الإيراني وتعظيم قدراته، وما يدلل على ذلك التصريحات المتكررة للمسؤولين الإيرانيين، منها ما أدلى به النائب في البرلمان الإيراني عن طهران “علي رضا زاكاني” في أيلول 2014م: “لو تأخرنا في اتخاذ القرارات الحاسمة تجاه الأزمة السورية، ولم نتدخل عسكريا لسقط النظام السوري منذ بداية انطلاق الثورة[25]“، أدى هذا الأمر عمليا إلى سيطرة إيران على القرار السياسي والعسكري لنظام الأسد كنتيجة مباشرة لارتباط استمراره بهذا التدخل، وهي تهدف من وراء ذلك لاستخدام الملف السوري في إطار تصورها لنفسها كقطب إقليمي قادر على فرض إرادته على دول الإقليم بما يحقق مصالحه باعتبار سوريا حجر الأساس في هذا المشروع، وتهدئة قلقها الناجم عن تطورات المشهد السوري الذي قد يستثنيها في حال وجد أي تنسيق إقليمي أو دولي حول مستقبل سوريا، دون أن تغفل عن تبادل الأدوار بينها وبين الروس من خلال الملفات المشتركة بينهما (بحر قزوين، والقوقاز، وأذربيجان وأرمينيا، إضافة إلى الملف النووي) إلا أن ذلك أدى إلى انعكاسات يمكن إجمالها كما يلي:

أ – محاكاة التجربة الإيرانية من قبل أطراف أخرى “التدخل الروسي”

سلم الأسد زمام المبادرة لإيران لإدارة المعركة بعد انشقاقات كبيرة في صفوف الجيش، وأصبح كامل القرار العسكري في سوريا بيد قادة عسكريين إيرانيين، وبدورها عملت إيران بهدوء على تأسيس “نظام ظل” يتضمن الكثير من المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية[26]. أهمها الميليشيات البعيدة عن سلطة المركز، كما هو الحال في تأسيس “حزب الله اللبناني” وأسست «قوات الدفاع الوطني» لتكون تحت تأثير إيراني مباشر عبر تدريبها في إيران وتقديم التمويل ووجود مرشدين في مناطق سوريّة عدة، ويبلغ عددهم/150/ ألف سوري على أراضيها، و/150/ ألفًا في سوريا، بالإضافة إلى تدريب /50/ ألفًا من عناصر حزب الله اللبناني، وفق ما صرح به النائب في البرلمان الإيراني محمود نبويان[27]، وهو ما أثار التخوف الروسي ودفعه إلى التفكير بالتدخل العسكري في سوريا كي لا تستفرد في سوريا كما استفردت في لبنان من قبل على إثر خروج الجيش السوري منه عام 2005م، بعد أن كان شريكا لإيران في إدارته، علما أن التدخل السوري في لبنان عام 1976م كان بضوء أخضر أمريكي _ روسي، وعلى الرغم أن التدخل العسكري الروسي في سورية تم بالتنسيق مع إيران من خلال زيارة قاسم سليماني لموسكو  على قاعدة السماء للروس والأرض للإيرانيين وميليشياتها، إضافة إلى رغبة إيران في استثمار الموقع السياسي لموسكو باعتبارها أحد الدول التي يحق لها استخدام الفيتو، بدأت روسيا تدخلها العسكري والعمل على تحجيم الدور الإيراني بدءا من ابتداعها فكرة تشكيل تحالف لمكافحة تنظيم “الدولة والقضاء عليه بهدف تذويب الميليشيات الإيرانية وتقليص دورها، مرورا بترك ميليشياتها في معارك متعددة وخاصة على جبهات مدينة حلب بدون غطاء جوي لها من الحليف الروسي، وعدم رضا الجانب الإيراني عن اتفاقية مناطق خفض التصعيد بدليل ما كشفه العقيد فاتح حسون رئيس اللجنة العسكرية في مفاوضات أستانة6 وقائد حركة تحرير الوطن أن مسؤول الملف الإيراني أقسم بأنه لن يتم اتفاق إدلب[28]، وصولا إلى التنسيق مع الولايات المتحدة في سورية التي تضع لها هدفين في سورية الأول : القضاء على الإرهاب، والثاني: القضاء على النفوذ الإيراني.

كما لم يغب الجانب الاقتصادي عن صاحب القرار الروسي وما تقوم به إيران من توسيع شرائها للعقارات وتوسيع المزارات الشيعية في دمشق وحمص، وتوقيعها مع دمشق اتفاقيات لترميم المطارات وإنشاء محطات لتكرير النفط على الأراضي السورية، ولأن إيران لن تقبل أن تخسر مكاسبها في سوريا بدأت تظهر ملامح حرب باردة بين الطرفين يمكن الوقوف على بعض مظاهرها:

■أُعلن عن تشكيل “الفيلق الخامس اقتحام” في 22 من تشرين الثاني من العام 2016م، المدعوم عسكرياً ومالياً من قاعدة حميميم العسكرية الروسية في الساحل السوري، رغبةً من روسيا في إحكام سيطرتها على معظم التشكيلات العسكرية في سوريا، وسعت إيران بدورها لتحويل ذلك الفيلق لقوات باسيج يخضع لها في المقام الأول تفاديًا لزج جيشها في الحرب ولمنع روسيا من الهيمنة على القرار في سوريا، وأسمته إيران “باسيج سوريا”، وشاركت بقوة عبر قيادات في الحرس الثوري الإيراني ومليشيا “حزب الله” اللبنانية في تدريب كوادره[29].

■دعم الروس القرار 2216 الذي يخدم السعودية وحلفاءها اليمنيين[30]، ويساعد على محاصرة الحوثيين المرتبطين بإيران، وهو ما اعتُبر تغيراً في موقف روسيا الصامت تجاه القرار.

ب – التأثير على التراتبية العسكرية في المؤسسة العسكرية السورية وذوبان هويتها بوجود الإيرانيين

هدفت إيران من وراء توسيع وتطوير وسائل عمل قواتها والميليشيات الموالية لها على امتداد الجغرافية السورية إلى إضعاف المؤسسة العسكرية السورية، وأدى تزايد قوة وعدد الميليشيات وتنظيمها وهيكلتها وتبعيتها للقيادة الإيرانية التي تمثلها قيادات من الحرس الثوري إلى ترهل الجيش السوري، لدرجة أن ما تبقى منه هو عبارة عن مجموعات ملحقة بالميليشيات الطائفية التي جاءت بها إيران لمساندته، وأن الترتيب القيادي فيه بات على الشكل التالي:

■المرتبة الأولى: قادة من إيران.

■المرتبة الثانية: قادة حزب الله أو الميليشيات الشيعية.

■المرتبة الثالثة: الضابط[31].

وتعاني المنظومة العسكرية والأمنية لنظام الأسد من توسع وانتشار عملية خصخصة الميليشيات الشيعية المنتشرة في سوريا وربطها مباشرة بالحرس الثوري الإيراني دون مرور سلسلة القيادة عبر النظام السوري، على غرار ما يتمتع به حزب الله من دمج لذاتيته في ذاتية الدولة الإيرانية فيما يمكن تسميته حوكمة إيران لحزب الله، واحتمال مد منطق هذه العلاقة الثنائية إلى علاقة إيران بالمجموعات الشيعية المسلحة المرتبطة بها في سوريا[32]، بسبب ضعف ثقة النظام الإيراني بقدرة الأسد على الاستمرار، وتعتبر المفاوضات حول الهدنة في حمص التي جرت في أيار ٢٠١٤م مع ضباط إيرانيين وليس مع النظام السوري، وعدم علم النظام بتواجد الدورية التي استهدفتها إسرائيل في القنيطرة، وكان جهاد عماد مغنية أحد ضحاياها، ووصول ضباط وعناصر الحرس الثوري وحزب الله إلى سوريا عبر مطار دمشق القديم وتنقلهم مباشرة إلى داخل دمشق دون المرور بإجراءات التفتيش والختومات المتعارف عليها، وإصدار القرار رقم 1455، الذي نشر الثلاثاء 2 أيار 2017م  وتمنح إيران إمكانية تنظيم عقود تطوع لمدة سنتين للمدنيين على أن يقاتلوا في صفوفها، وستقبلهم بغض النظر عن شروط التطوع المعمول بها في جيش النظام[33]، أبرز مظاهر تلاشي البنية المؤسساتية لجيش النظام. وبالتالي تهدف إيران من وراء هذه الميليشيات وتعويمها على حساب جيش النظام إلى:

■يؤدي عمل هذه الميليشيات إلى إضعاف وزعزعة أمن أي نظام جديد يأتي بعد انهيار الأسد، وبالتالي ستعمل هذه الميليشيات كورقة تفاوضية في لعبة تبادل المصالح مع القوى الإقليمية والدولية، خاصة أن هذا الأسلوب أثبت نجاعته مع إيران في كل من لبنان واليمن.

■ تسمح هذه الميليشيات لإيران في حال سقوط النظام أو تقلص دوره فيما يسمى بسوريا المفيدة بالحفاظ على قدرة ما للعمل في الداخل تمكنها من الاستمرار في مواصلة مصالحها الحيوية، وذلك ضمن استراتيجية تطلق عليها طهران استراتيجية التحوط، تهدف من خلالها إلى استخدام أجزاء من سوريا كقاعدة ما دامت المعارضة السورية تفشل في بسط سيطرتها الكاملة على كافة الأراضي السورية[34].

ونجم عن محاولات كل من روسيا وإيران فرض كل منهما هيمنتها على أركان ومفاصل المؤسسة العسكرية سواء من خلال إعادة هيكلة الجيش وإيجاد نواة جديدة له بالإضافة إلى خلق مكون عسكري من قوات برية رديفة (الفيلق الخامس نموذجا) أو من خلال تشكيل ميليشيات عسكرية إلى توزيع الانتماءات والولاءات بين أجنحة السلطة على إيران وروسيا.

ج – محاكاة النظام التجربة الإيرانية بتشكيل ميليشيات تقاتل إلى جانب الجيش

لم تستطع الشبيحة الظاهرة، النواة للميليشيات التي شكلها النظام، ولا اللجان الشعبية التي تم تشكيلها فيما بعد، بسبب اتساع نطاق الصراع وعدم قدرة النظام السوري على قمع المعارضة على الرغم من التدخل الإيراني وحزب الله، ثم الميليشيات التي أرسلوها لتعزيز صفوف النظام بإشراف الحرس الثوري، لمواجهة الثورة باعتبارها العدو الذي يهدد وجوديًا نظام الأسد، بقابليته وقدرته على طرح بديل سياسي يزيح النظام، وتطورات الوضع الأمني في سورية الآخذة في التراجع، ليلجأ النظام إلى تشكيل ميليشيا محلية على غرار الميليشيات الشيعية تحارب إلى جانبه، لكنها تتباين في سيطرته عليها، وفي دوافع التجنيد داخلها دون الغياب الكامل لجيش النظام السوري[35]، مستخدما في سبيل ذلك المال والأمن لشراء ولاءات الشباب العاطلين عن العمل، وتوزيع السلاح والسيارات والأذونات الأمنية لدى الشباب الموالين وعائلاتهم عبر شبكات الوكلاء، ليشمل المنتسبون إلى تلك الميليشيات أبناء ضباط الجيش وقادته كيعرب ابن اللواء عصام زهر الدين، أو المقتنعين بأفكار حزب البعث كمليشيات “كتائب البعث”، أو وحدات مدعومة من المخابرات كميليشيا (قوات النمر)، التي يقودها سهيل الحسن، أو من الأقليات الدينية كميليشيا “كتائب حماة الديار”، المشكلة من دروز الجنوب، “وغيرها من الميليشيات كقوات الفهود”، بالإضافة إلى تشكيلات الشبيحة”، التي تم تأسيسها على يد رجال أعمال مؤيدين، وأكبرها وأبرزها “مليشيات البستان”، التابعة لجمعية البستان الخيرية، التي يترأسها ابن خالة رئيس النظام السوري “رامي مخلوف”، و”صقور الصحراء”، التي توصف بأنها قوات نخبة، وتم تأسيسها على يد محمد جابر، من ضباط سابقين ومحاربين متطوعين من مليشيات أخرى، بالإضافات إلى “عصابة” (لواء أسود الحسين)، التابعة لمحمد توفيق الأسد، وفوج عشائر منبج – رعد المهدي، لواء درع الساحل، و ميليشيا صقور الصحراء.

وتتمتع هذه الميليشيات بقوة وأعداد كبيرة وتمتلك كل الأسلحة  الثقيلة ومضادات الدروع التي يستعملها الجيش النظامي نفسه، أو قوات الحرس الثوري الإيراني، من دبابات وحاملات جنود وأسلحة مدفعية، وتنتشر في مختلف أنحاء سورية، ويتم الإقبال عليها نظرا لما توفره من امتيازات لا تتوفر في الجيش النظامي كحصول المقاتلين على أجور أفضل من تلك التي يتقاضونها من جيش النظام، فضلاً عن تحسن نوع الطعام وبعض الخدمات الأخرى، بالإضافة إلى تشكيلها من استراتيجية “المصالحات والهدن” التي اتبعها النظام في تعامله مع المناطق المحاصرة وتسوية وضع شبابها بإغرائهم أن يؤدي المتخلف منهم عن الخدمة الإلزامية الخدمة في منطقته، لتعويض خسائر الجيش النظامي.

د – الانقسام العمودي بين مكونات المجتمع السوري وتشكيل ميليشيات من السوريين الشيعة “لواء الرضا في حمص”

على الرغم من التناقض الإيديولوجي بين النظام البعثي العلماني في سورية وجمهورية إيران، إلا أن النظام السياسي الأمني في إيران بعد عام 1979م، و سقوط النظام العراقي في العام 2003م، ونشاطاته الرامية إلى تصدير الثورة، دفع قطاعات من السكان بدعوى الحرمان والمظلومية والتحريض في دول المنطقة (سوريا – العراق – السعودية – البحرين – الكويت – اليمن) لتمييز أنفسهم طائفيا، رامية لمد نفوذها وتوسعته من خلال شبكة من التبعية الإيديولوجية والاقتصادية، وما تصريح  الجنرال رحيم صفوي، المستشار العسكري لمرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي بأن “القرن الحالي سيشهد تشكل حكومة إسلامية عالمية، ستكون إيران مركزاً لها”،إلا تأكيداً للهدف الاستراتيجي لإيران[36].

أدى التفكّك السوريّ الواسع في المؤسسة العسكرية للنظام الناتج عن مواجهته للثورة الشعبيّة، ولجوء “بشار الأسد” إلى طلب حماية النظام الإيرانيّ، واعتماد الأخير على “بروباجندا الحشد الطائفي” المكثفة التي تمارسها منابر الرأي الداعمة للقتال في سوريا، من المساجد والحسينيات إلى الفضائيات إلى المجلات والصحف، وصولاً إلى وسائل الإعلام الاجتماعي المتمثلة بالفيسبوك واليوتيوب والمنتديات[37]، ليشكّل تدخلها قوة دافعة وراء زيادة التباعد الطائفي الذي شهده الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة بشكل عام، وسوريا بشكل خاص، إضافة إلى التعبئة للجهاد (السنية والشيعية) التي لم يسبق لها مثيل من أجل القتال في سوريا[38]، وتبدأ العمل على صناعة “دول صغرى” بمؤسّساتها التعاضديّة الخاصّة، وبمؤسّساتها العسكريّة الطائفيّة على نموذج حزب الله اللبناني وحشد نسبة كبيرة من الشيعة الاثني عشرية” إلى جانبها الذين لا يشكلون في سوريا سوى 1 – 2 في المائة من السكان، مستفيدة من تمركزهم في مناطق استراتيجيةٍ هامة استُخدمت لاعتراض خطوط التواصل والإمدادات التابعة للثوار بالقرب من حلب، والحدود اللبنانية السورية، وعلى طول الحدود الأردنية السورية، منها[39]:

■ “فوج الإمام الحجة” المحلي، وضم علمه الكلمتين “نبل والزهراء” بالخطّ العريض، تم تشكيله بمساعدةٍ من «منظمة بدر» و«كتائب حزب الله» العراقية، و«حزب الله» اللبناني من أبناء بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين نظرا لحصار هاتين البلدتين من قبل الثوار وتجييش إيران ضد ذلك لزيادة الانقسام داخل المجتمع السوري على أسس طائفية، وخاضت هذه الميليشيا عمليات قتالية قرب مدينة حلب وفي ريفها، ومنذ عام 2014 تم تكليف المزيد من المقاتلين الشيعة السوريين في عمليات بجوار حلب، وقد قاتلت وحداتٌ متمركزة للميليشيات الشيعية في عددٍ من المعارك في المنطقة، ومن بين هذه الوحدات “جيش الإمام المهدي” و “المقاومة الوطنية العقائدية في سوريا”، التي جنّدت مقاتلين من طرطوس والمناطق الجبلية الحدودية التي تقع تحت سيطرة العلويين، وخلال العامين 2015 و2016، تألّفت القوات المقاتلة المحلية أيضاً من ميليشيا سورية شيعية أُنشأت على صورة «حزب الله» وعُرفت باسم “الغالبون – سرايا المقاومة الإسلامية في سوريا”.

■”لواء الرضا” يعد الموقع الاستراتيجي لمدينة حمص أرضاً خصبة للميليشيات الشيعية الجديدة على وجه الخصوص، حيث تشكل فيها لواء الرضا من فروع «حزب الله» الأكثر نشاطاً، ويقوم بتجنيد معظم مقاتليه من هذه المنطقة، ومحافظة حمص هي موطن لنسبة كبيرة من السوريين الشيعة الذين يعيشون في مدينة حمص (قرية المزرعة – أم العمد – الرقة – المشرفة – الكم) وفي عددٍ من المناطق الحدودية المرتبطة بالمجتمع الشيعي اللبناني.

■إضافة إلى ميليشيات شيعية في بلدة “بُصرى الشام”، تعمل ميليشيا حزب الله اللبناني على قيادتها والتحكم بها.

ﮬ – تحويل الساحة السورية إلى ساحة صراع استراتيجي بين القوى “روسي – إيراني / إيراني – تركي”

بدأت الثورة السورية ضد النظام الحاكم في سورية بسبب فساده واستبداده، بمطالب مشروعة ومحقة راح يرتفع سقفها ويتصاعد طرداً مع ازدياد أعمال العنف، واستمر نهجها إلى أن تدخلت إيران لمساعدة النظام في قمع الثورة، التي تدخلت بدورها للمحافظة على مصالحها المرتبطة ببقاء نظام الأسد، ومع تصاعد العمليات العسكرية في سوريا بعد التدخل الإيراني تحولت البلاد إلى ساحة حرب بالوكالة بين قوى إقليمية، واتخذت الثورة بُعدا عالميا بين قوى داعمة للشعب السوري كتركيا وقطر والسعودية ودول أصدقاء الشعب السوري من جهة، وإيران وروسيا و الصين ومن يدور في فلكهم من الداعمين لنظام الأسد، على الرغم أن العديد من النصائح والمبادرات التي قدمت من أطراف عربية وإقليمية ودولية لمساعدة النظام على تجاوز أزمته، فمثلا فضلت القيادة التركية أن تنصح الأسد لعدة أشهر قبل القطيعة التامة، لكنه فضل الاستماع إلى الجانب الإيراني وبدلا من أن يتوقف عن قتل الناس أمعن في زيادة القتل، وفق ما صرح به المستشار السياسي لدى أنقرة الدكتور علي باكير[40]، واستمر الحال على ذلك إلى أن وضع الأمر في عهدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وينفتح الباب على مصراعيه أمام من يرغب من الأطراف الإقليمية والعالمية لاستثمار هذه الساحة في معركة النفوذ ولتحسين الحضور والموقع في المنطقة[41].

إن مسايرة النظام الإيراني وموافقته على السردية التي روج لها النظام لقمع الثورة الشعبية، وأن ما تتعرض له سوريا هو من تخطيط الأعداء، وهؤلاء الأعداء هم نفسهم الذين كانوا وراء اندلاع الاحتجاجات في الساحات الإيرانية في العام 2009م “الثورة الخضراء”، أدى إلى بروز المشروع الإيراني، رغم اختلافه مع الفاعلين الآخرين دون إنكار وجود تبادل مصالح ضمني بينها وبين هؤلاء الفاعلين، إلا أنه وضع طموحاتها التوسعية بعد التدخل العسكري الروسي، ومحاولته تنفيذ المشروع الخاص به، إضافة إلى رغبة الإدارة الأمريكية، خاصة بعد مجيء ترامب إلى الحكم، بتحجيم الدور الإيراني في المنطقة على غير ما تم التخطيط له من قبل النظام الإيراني.

لم تقف آثار تدخلها العسكري عند هذا الحد، بل دفعت بعض الأطراف إلى المشاركة من خلال التدريب أو التمويل أو التسليح، فمثلا دفع التخوف الأردني – رغم موقفه الحذر من الثورة السورية – من المشروع الإيراني الذي عبر عنه صراحة إلى قبول تدريب مقاتلي المعارضة على أراضيه، و وجدت تركيا نفسها محاصرة من كل الاتجاهات (روسيا القيصرية – إيران الصفوية – أرمينيا العدو اللدود – اليونان، العدو التقليدي) ولا تكاد تجد لها عمقاً آمناً سوى في سوريا، فوقفت إلى جانب الثورة السورية إلى أن تدخلت عسكريا في ضوء تقييم دبلوماسيتها وسياستها الأمنية نظرًا إلى الوقائع في جنوب بلادنا، وما يمكن فعله للخروج بوضع يخدم الجميع في المنطقة بحسب الرئيس التركي السابق عبد الله غول، ودفع أمريكا للاعتماد على الأكراد لاستعمالهم بدورهم للضغط على أطراف أخرى.

يتحمل النظام السوري وحليفه الإيراني بالدرجة الأولى مسؤولية التأثيرات الخارجية وتدخلاتها التي سعى إليها الجميع لتحقيق أغراضهم الاستراتيجية وإن كانت بأوجه متعددة.

رابعا: الموقف الدولي والعربي من التدخل العسكري الإيراني

تعتبر التصريحات المتكررة الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين حول مهامهم العسكرية ودورهم في توفير الحماية للنظام في سوريا وثائق “جرائم ضد الإنسانية” لنظام يعتمد حتى في داخل إيران من أجل بقائه على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتصديرها إلى الخارج لتعبر عن حقيقة أنه طالما بقي الحرس الثوري والمليشيات التابعة للنظام الإيراني في سوريا، فإن الأزمة السورية ستستمر، لذلك كان دور النظام السوري في التحالف الشيعي بمثابة القوة الدافعة لسياسة جامعة الدول العربية بقيادة دول الخليج، وبشكل خاص السعودية وقطر، وقدمت السعودية مسودة قرار في اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالجمعية العامة للأمم المتحدة تدين التدخل الإيراني والروسي في سوريا، ما أثار احتجاجا لكل من وفدي إيران وسوريا[42]،  ورعت كل من قطر ودول عربية أخرى والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وقوى غربية أخرى مسودة القرار أثناء اجتماع الجنة الثالثة بالجمعية العامة في تشرين الثاني 2015م/ والتي تركز على حقوق الإنسان.

أدان وزراء الخارجية العرب في اجتماع طارئ في القاهرة منتصف العام الماضي التدخل الإيراني في الأزمة السورية وما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مستقبل سوريا ووحدتها الوطنية وسلامتها الإقليمية[43]، وكما أدان مؤتمر القمة الإسلامية الـ 13 تدخلات إيران في الشؤون الداخلية لدول المنطقة ودول أخرى أعضاء، منها البحرين واليمن وسوريا والصومال، واستمرار دعمها للإرهاب.

وأدت سياسة الاسترضاء المعتمدة من قبل المجتمع الدولي إلى توسيع الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني خاصة في العراق وسوريا، والتي ربما تكون للمزيد من التوريط والاستنزاف لها في ضوء إرسالها لآلاف من المقاتلين العسكريين وغير العسكريين المدججين بالأسلحة الحديثة ضد قوات الجيش السوري الحر، إضافة إلى مليارات الدولارات من القروض لتوفير احتياجات النظام ولشراء الأسلحة[44].

صعّدت الإدارة الأمريكية الجديدة مع وصول ترامب مواقفها تجاه إيران بعد أن اكتفت في عهد أوباما بالإجراءات التي فرضتها الولايات المتحدة بالفعل على أفراد وكيانات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، حيث صرحت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي بقولها: ” لن تعود سوريا ملاذا آمنا للإرهابيين، علينا أن نتأكد من خروج “إيران ووكلائها” من سوريا”، كما أعلن الرئيس ترامب في تشرين الأول من العام 2017م أن الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية[45].

خاتمة

أدى النفوذ الإيراني العسكري المتزايد إلى اختراق كامل للنظام السياسي السوري وتحويله إلى مجرد كيان إيراني داخلي، وجعل سوريا بمثابة دولة مرعية وتابعة لولاية الفقيه، وذلك من خلال خطوات تدريجية أكسبتها نفوذا شاملا في المجال السوري، وعمدت لتوثيق رباطه بـ “الهلال الشيعي” من خلال عدة روافع سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية – ديمغرافية، وهي تلجأ إلى ذلك لتحتل مكانا مركزيا في حالة الدفع إلى الأمام بسياقات التسوية في سوريا، وأن تكون بين القوى المؤثرة والفاعلة في مستقبلها، إلا أن اعتمادها على العمل الميليشياوي ورمزيتها العدوانية يوجب على الدول العربية والمجتمع الدولي تقديم الدعم بكافة أشكاله إلى الدول والشعوب التي تتعرض إلى الهجمة الإيرانية واتخاذ قرارات فعالة لتجريم ميليشياتها وتفكيكها بصفتها إحدى أدوات الإرهاب، ومواجهة الحكومات التابعة لإيران التي توفر الغطاء والحماية والتمويل للنشاطات الميليشياوية حفاظا على بنية الدولة وجوهر المجتمعات.

[1]مركز الخليج للدراسات الإيرانية – إدارة التحرير – التوغل الإيراني والصرعات اللامتناهية في سوريا

[2]موقع قناة العالم – علاء الرضائي ملامح السياسة الخارجية الإيرانية في المرحلة القادمة

[3]العربية نت – عهد فاضل – هذه الأسباب تحالفت إيران الخمينية مع حافظ الأسد

[4]مجلة الابتسامة – عرض الكتاب أسامة شحادة – كتاب، التحالف السوري الإيراني والمنطقة لمؤلفه عبد الحليم خدام 

[5]المعرفة – العلاقات الإيرانية السورية

[6]موقع الحل السوري – فايز سارة – مسار إيران في سورية

[7]مرجع سابق – رقم 5

[8]مجلة الابتسامة – عرض الكتاب أسامة شحادة – كتاب، التحالف السوري الإيراني والمنطقة لمؤلفه عبد الحليم خدام 

[9]مركز أبحاث حركة تحرير الوطن – حزب الله يسعى للسلاح النووي  

[10]السورية نت – خطة إيران لسورية من دون الأسد – المؤلف: جويس كر –  ترجمة السورية نت

[11]أورينت نت – همداني.. بعد وفاة “حافظ الأسد” قال لنا خامنئي إن ولاء بشار أكبر

[12]اليوم – التدخل الإيراني في سوريا ولبنان بدأ بمقتل باسل الأسد

[13]“المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – رسائل الأسماك” ما تقوله مذكرات الجنرال همداني: الوصاية الإيرانية على سوريا

[14]الجزيرة نت – برنامج حديث الثورة – تفاعلات دول الجوار مع الأزمة السورية

[15]مجموعة الخدمات البحثية – ويل فولتون ـ جوزيف هوليداي ـ سام واير – الاستراتيجية الإيرانية في سوريا

[16]طوران للأبحاث والدراسات الاستراتيجية – الباحث ابراهيم قيسون – تطور العلاقات السورية الإيرانية

[17]معهد واشنطن – مايكل آيزنشتات – التدخل العسكري الإيراني في سوريا: الآثار طويلة الأمد  

[18]صحيفة العرب – الجيش السوري وميليشيات إيران: من يقود من؟

[19]السورية نت – عن الشرق الأوسط – طهران تحصد ثمار دعمها للأسد: سوريا سوق للسلاح الإيراني

[20]مجلة البيان – إياد جابر – مراحل تطور الثورة السورية

[21]أورينت نت – هبة محمد – تعيين قاسم سليماني قائداً لمعارك درعا جنوب سوريا

[22]السياسة الدولية – محمد محسن أبو النور – انعكاسات التدخل الروسي علي دور إيران في سوريا

[23]قناة الجزيرة – برنامج للقصة بقية – رسائل الأسماك.. حين كان الأسد يبحث عن مهرب

[24]الفجر – محمد سمير – بالتفاصيل.. تعرف على خريطة التواجد العسكري لمليشيات الحرس الثوري الإيرانية في سوريا

[25]القوات اللبنانية – زاكاني: صنعاء رابع عاصمة عربية سقطت بيد إيران بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد

[26]مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية – محمد فيصل الخولي – أثر التدخل الروسي على مصالح إيران وحزب الله في سوريا

[27]بوابة الوسط – نائب إيراني: دربنا 300 ألف سوري و50 ألفًا من حزب الله عسكريًا

[28]العدية للأنباء: مصطفى السيد -فاتح حسون للعدية: قوات الدول الثلاث في إدلب للرقابة ولن يكون لها سيطرة 

[29]نون بوست – محمود رأفت – الفيلق الخامس في سوريا.. دلالات القرار وحتمية الانهيار

[30]العربية نت – اليمن.. روسيا تدعم القرار 2216 بعد انتهاكات الحوثيين

[31]صحيفة العرب – الجيش السوري وميليشيات إيران من يقود من؟

[32]نون بوست – تامر بدوي – الهوية والمصلحة وإرادة القوة.. لماذا تدخلت إيران لإنقاذ سوريا الأسد؟

[33]السورية نت –  الأسد يرضخ لإيران ويسلمها إدارة الميليشيات السورية

[34]الجزيرة نت –غياث بلال – دور إيران ووكلائها الإقليميين في الأزمة السورية

[35]الجزيرة نت – عبيدة عامر – “سوريا الأسد”. كيف هندس النظام المجتمع بالمليشيات المحلية؟

[36]مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات – النفوذ الإيراني في المنطقة العربية بعد سقوط حلب | الآفاق والحدود

[37]عربي 21 – عبيدة عامر – ما هي المليشيات الشيعية المقاتلة بسوريا؟ (ملف+إنفوغرافيك)

[38]أورينت نت – عن معهد واشنطن للدراسات – مايكل آيزنشتات – التدخل العسكري الإيراني في سوريا: الآثار طويلة الأمد

[39]معهد واشنطن – فيليب سميث – كيف تنشئ إيران «حزب الله» ثاني في سوريا؟

[40]المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – النقيب رشيد حوراني – مسألة السورية ما بعد انقلاب تموز الفاشل في تركيا

[41]الجزيرة نت – عن حقيقة الصراع على سوريا – أكرم البني

[42]القدس العربي – السعودية تسعى لإدانة التدخل الإيراني والروسي في سوريا في لجنة بالأمم المتحدة

[43]الراي – إجماع عربي على إدانة إيران

[44]المجلس الوطني للمقاومة الاسلامية – الارهاب والتطرف الديني

[45]السكينة – تصنيف الحرس الثوري الإيراني كجماعة إرهابية  

 

ان اعجبك المقال اشترك ليصلك كل جديد

رشيد محمود حوراني
إجازة في التربية / قسم علم النفس 2002م – سوريا – جامعة البعث – حمص
العلوم العسكرية – مشاة 2004م – الكلية الحربية – مدرسة المشاة بحلب
دورة أساليب العمل المعنوي ” روائز قياس الروح المعنوية” في إدارة الشؤون المعنوية في جمهورية مصر العربية 2009م.
لديه العديد من المقالات المنشورة على مواقع ” شبكة شام الإخبارية – كلنا شركاء – جريدة مصدر – راديو فرش ”
والعديد من الأبحاث على موقع المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام.

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.