تركيبة المجتمع السوري وحياته السياسية

تقوم نظرية العقد الاجتماعي على قناعة الأفراد بضرورة الاتفاق على الخروج من الحالة الطبيعية (ما قبل الدول أو حالة الفوضى) إلى الحالة المنظمة، فإذا أردنا أن نجد مخرجا للحرب في سوريا، فعلينا أولا النظر في تركيبة المجتمع السوري، وإيجاد الحلول المناسبة لإعادة التعايش واللحمة الوطنية بين الأعراق والطوائف التي يتشكل منها المجتمع السوري، عن طريق نظام سياسي يضمن حقوق كافة المواطنين المتواجدين على الأراضي السورية.

المقدمة

يعد الشعب السوري شعباً متنوع الأعراق والقوميات تاريخيا، ويصنف على أنه من الشعوب السامية بغالبية عربية إلى جانب وجود عدد من القوميات الأخرى “الأكراد والأرمن والسريان” بنسب متباينة يغلب عليها “انتماء مناطقي أو محلي قوي”، وقد نشطت منذ القرن التاسع عشر الهجرة بين أبنائه نحو العالم الجديد نتيجة لعوامل متعددة أبرزها اقتصادي وسياسي، وتصاعدت الهجرة بشكل كبير منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية.

يعد لفظ “سوريا” يوناني الأصل واستخدم في أقدم أطواره للإشارة إلى ناطقي السريانية في الهلال الخصيب، بكل الأحوال فإنّ الموقع الجغرافي المتوسط لسوريا وأراضيها الخصبة لعب دوراً مهما في جذب عدد كبير من الهجرات إليها عبر التاريخ نتج عنه تمازج فريد بين مكوناته، أما الهوية السورية الحديثة فقد بدأت ملامحها بالتشكل باستعراب غالبية البلاد خلال القرون الوسطى، ويعتبر القرن التاسع عشر مرحلة حاسمة في تكوينها حيث ظهرت أندية وجمعيات أدبية وسياسية ومفكرون نادوا وأسسوا في الهوية السورية وهو ما تصاعد خلال القرن العشرين، وقد كان لاندلاع الاحتجاجات الشعبية بداية عام 2011 بالغ الأثر على الروابط الاجتماعية للسوريين، حيث أدت المعالجة العنيفة من قبل السلطة لشروخ قاسية نتج عنها تفكك خطير في بنية المجتمع السوري، ومن مظاهرها تصاعد تيارات متنوعة وطارئة على المشهد الاجتماعي ذات طابع طائفي لدى غالبية المكونات، وهيمنتها على المشهد العام، انعكست هذه الظواهر بشكل مباشر على السياسيين السوريين وازدادت الفجوة أيضا نتيجة سياسات الدول الكبرى في تعاطيها الخطير مع الملف السوري بما يرسخ هذه الشروخ الآنية.

ماهية المجتمع وخصائصه

يعود مفهوم نظرية العقد الاجتماعي إلى الفلسفة الكلاسيكية، والتي يعد أفلاطون وأرسطو أبرز مفكريها وترى هذه الفلسفة أن الإنسان حيوان اجتماعي يستطيع الدخول في اتفاق ينظم المجتمع، ولقد ظهرت نظرية العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر وهي بالتعريف: فلسفة سياسية حديثة، تعتقد أن أصل الدولة يعود لعقد بين الناس، قبلوا بموجبه وجود قوانين تحد من حريتهم، مقابل ضمان استمرار حياتهم وحياة المجتمع.[1]

برز مفكرو “العقد الاجتماعي”: “توماس هوبز” و”جون لوك” و”جان جاك روسو”، ورغم اختلاف نتائج تنظيرهم للظاهرة والوجود السياسيين، فقد انطلق تنظيرهم من فكرة انفصال الفرد عن البيئة، والتي برزت مع التملك والملكية الخاصة، وذلك من خلال تحاكم الأفراد إلى صيغة قانونية افتراضية لتأسيس السلطة بمعيار دنيوي بدلاً من المعيار الديني، عرفت بـ”العقد الاجتماعي” وذلك لحماية الفرد وحقوقه الطبيعية فأفضت النظرية إلى تحول الفرد إلى مواطن له حقوق وعليه واجبات في مقابل الحاكم (العقد الاجتماعي) وبهذا المعنى غدا المجتمع المدني تعبيراً عن وعي الفرد بحقوقه في مواجهة السلطة.[2]

وتنطلق نظرية العقد الاجتماعي من الفرضية القائلة بأن نشوء المجتمع لم يكن طبيعياً بل اصطناعياً حيث كان الناس يعيشون في الحالة الطبيعية (ما قبل الدولة) من دون قوانين تنظم حياتهم مما أدى لانتشار الفوضى، الأمر الذي دفع الناس للاتفاق على عقد بينهم ينقذ حياتهم وينظم شؤونهم وبموجبه يتخلون عن بعض حقوقهم الطبيعية لصالح الدولة.

ويمكن تقسيم المجتمع المدني على هذا الأساس إلى نمطين:

 أولهما: يبرز في النظم الديمقراطية ويهدف إلى اضطلاع الأفراد ببعض وظائف السلطة التي لا تستطيع تحقيقها بفعل التراكم الوظيفي الذي، بدوره، يقلص الحيز الذي تمثله الدولة (البيئة،المرأة، أطباء بلا حدود…الخ)، أو بهدف رسم برنامج للحكم (الأحزاب) أو التحرر من قيود السوق المفتوحة (النقابات) فيقوم المجتمع المدني بدور وظيفي مكمل لوظائف ومسؤوليات الدولة.

 وتصبح بذلك منظمات المجتمع المدني منظمات وسيطة بين المواطن والدولة وفقا لدورها الوظيفي وهذا النمط هو تعبير عن نظرة غربية في ظل وجود مؤسسات متبلورة في المجتمع.

 ثانيهما: يتعلق برسم استراتيجية لمقاومة استبداد السلطة، وقد برز هذا النمط الغرامشوي (نسبة إلى غرامشي) في إطار مقاومة حركات المجتمع المدني في أوروبا الشرقية للأنظمة الشيوعية المستبدة، ويقوم هذا النمط على اعتبار المجتمع المدني مقاوما للتسلط، في ظل وجود تأطير له (اتحادات، نقابات، تجمعات.. الخ) بهدف ألا تطغى إرادة الدولة واستبدادها على الأفراد ويقوم هذا النمط على شعار “مجتمع مدني أكثر دولة أقل” كما برز في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية ويمكن في هذا السياق اعتبار الدور الذي اضطلعت به مساجد العراق لوقف عمليات النهب الذي عم في العراق إثر سقوط النظام السابق مثالاً أنموذجياً للشعار المذكور.[3]

هذه النظريات أدت إلى تكريس مفاهيم أساسية كالحقوق والولاء للدولة وساهمت بوضع أسس وأشكال مختلفة لنظم الحكم والسياسة، فكانت نظرية العقد الاجتماعي لدى روسو أساس الثورة الفرنسية التي غيرت وجه فرنسا الملكية المطلقة وغيرت معها العالم، إلا أن هذه النظريات واجهت انتقادات واسعة من قبل المفكرين، فلا أساس تاريخي يثبت صحتها، إضافة إلى أنّ المروجين لهذه النظريات يؤمنون بأن للشعب حقاً مطلقاً في الثورة.

الهوية السورية

هناك من يحدد مفهوم الهوية بالعودة إلى الأصل القومي أو حصرها عليه، وهناك من يعود بها إلى الأصل الديني أو المذهبي أو الجنسي، وليس هناك من شك أن هذه الجوانب تشكل عناصر من هوية الإنسان الفرد لكنها لا تستنفذ هويته.

الهوية هي الإعلاء من شأن الإنسان الفرد بما هو ذات مستقلة وحرة، والهوية في اللغة مشتقة من الضمير “هو”، ويشير مفهوم الهوية واقعيا إلى ما يكون عليه هذا الإنسان الفرد أو ذاك، أي من حيث تشخصه وتحقيقه في ذاته وتميزه عن غيره، وهو وعاء الضمير الجمعي ومحتوى لهذا الضمير في الوقت عينه بما يشتمل عليه من قيم وعادات ومقومات تكثف وعي الجماعة وإرادتها في الصمود والحياة.[4]

والمفهوم الضيق للهوية، سواء أحلناه إلى أصل قومي أو ديني أو مذهبي، هو تشنيئ للذات الإنسانية وتنكير لحرية الفرد واستقلاله وجدارته واستحقاقه، وهو بالتالي إقصاء للآخر على الصعيدين الاجتماعي والسياسي بل إعدام له.

وقد مرت على سورية العديد من الهويات، حيث تمتد عميقاً في التاريخ، فمنذ الألف الثالث قبل الميلاد، عاش على هذه الأرض الفينيقيون والكلدان، إضافة لشعوب أكادية وعمورية وآرامية وآشورية، وما تلاها من فترات السيطرة الفارسية واليونانية والرومانية، وصولاً إلى فترة الحكم الإسلامي في لحظات السيطرة العربية والفارسية والسلجوقية والمملوكية والعثمانية وحتى الفترة الاستعمارية المتأخرة وفترة ما بعد الاستقلال ونشوء ظاهرة الدولة الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين.[5]

فسورية حاليا رسمت حدودها ضمن اتفاق سايكس-بيكو عام 1916 تحقيقاً لمصالح المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، ودون النظر إلى خصوصية مكوناتها وتنوعها، ولم تأت الحدود السياسية في سورية متوافقة مع الحدود الثقافية والديمغرافية للشعوب، لذا فمسألة الهوية هي مسألة إشكالية منذ نشأة الدولة السورية الحديثة.

تبنت النخبة السورية إحدى النظريات القومية الأوروبية التي تعتمد على اللغة أساساً (نظرية القومية الألمانية) دون أن تلقي بالاً إلى باقي النظريات القومية الأوروبية التي تعتمد التاريخ أو الأمة (نظرية القومية الفرنسية مثلاً), أدى تطبيق النظرية الألمانية إلى اعتبار كل من لا يتحدث العربية أو ليست هي لغته الأم ليس عربياً، أي مواطنا من الدرجة الثانية أو الثالثة, كما أصبح هؤلاء خارج نطاق القومية العربية والوطنية السورية, من هنا كان السوريون الواقعون تحت وهج القومية العربية ينظرون للأكراد والآشوريين والسريان والتركمان وسواهم من السوريين غير الناطقين بالعربية كلغة أم, كغرباء أو رعايا يعيشون على أرض عربية, وهذا ما جعل وطنية هؤلاء غير الناطقين بالعربية منقوصة برأي السوريين الناطقين بالعربية.

وبعد كفاح طويل نجحت العديد من الدول لا سيما الدول الأوربية في صياغة هويات وطنية شاملة وجامعة لشعوبها، عندما أدركوا أن سياسات الهوية يجب أن تقوم على الانفتاح والاعتراف بالتعدد الاجتماعي والثقافي والقيمي والديني. وأن الهوية ليست معطى نهائيا أو مقدسا، بل هي عرضة للمراجعة والنقد والتقويم لتصبح أكثر فاعلية في توحيد المجتمع والدولة، أي أنها ظاهرة قابلة للبناء والتشكيل بحسب ما تقتضيه مصلحة الدولة وشعبها، والمرحلة التاريخية التي تعيشها، ولم تستطع الثورة التي بدأت عام 2011 أن تجد صيغة شاملة لمفهوم الهوية لجميع السوريين بل زادت هذه القضية من معاناة السوريين.

ما يحصل على أرض الواقع منذ 2011 هو محاولة لتحطيم الوجود السوري ذي الهوية السورية من طرف النظام الذي يعتمد على طائفة معينة، ويزداد خطره بحضور الميليشيات الشيعية الخارجية الإيرانية والعراقية واللبنانية  أولا، ومن طرف القوى الأصولية التي تخوض صراعها مع النظام من المنطلق نفسه، وكثير من القوى الفاعلة عربيًا وعالميًا غير مكترثة أبدًا بتطابق الوجود السوري مع هويته، إذًا فالصراع الداخلي السوري المستمر الآن هو بين الوجود السوري الأكثري الساعي للاحتفاظ بالهوية ذات السلطة الديمقراطية المعبّرة عنها من جهة ووجود هويات ما دون الهوية السورية كالهويات السلطوية والطائفية والإثنية والدينية من جهة ثانية.[6]

وعلى هذا، فمن مصلحة السوريين وحدهم أن ينجزوا عقدهم الاجتماعي-الوطني الذي يكفل السلم الأهلي، ويجدد ثقة السوريين ببعضهم البعض، عبر دولة وطنية تمهد الطريق أمام مواطنيها لبناء مؤسسات تكفل مواطنتهم، بل إنه أيضاً من مصلحة العرب أن يكون مسار التسوية السياسية مقدمة لاستقرار سوريا، بما لذلك الاستقرار من أهمية في استقرار العالم العربي، وهو ما يستلزم ألا يغيب العرب عن مسار التسوية، وأن يكون دورهم مساعداً في تمكين السوريين من عملية انتقال سياسي تضمن استقرار سوريا، انطلاقاً من مرجعيات صاغها السوريون، خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها وثيقتا مؤتمر توحيد المعارضة السورية في يوليو/ تموز 2012، اللتان يمكن البناء عليهما.[7]

وفي ظل الصراعات التي تمر بها سوريا، يبرز السؤال التالي: ما شكل الهوية السورية القادمة؟ لتظهر أمامنا عدة مشاريع لكل منها مؤيدوها: الأول مشروع سوريا الأسد القديم، والثاني مشروع الدولة الدينية (الدولة الإسلامية (ISIS)، فتح الشام… إلخ) والثالث مشروع الدولة الفيدرالية التي تسعى إليها الأحزاب الكردية، والرابع مشروع الدولة الديمقراطية التي تسعى إليها المعارضة.

وجوابا على هذا السؤال، يحب أن ندرك أن شكل الهوية الجديدة مرهون بمدى وعي المواطن السوري وتقبله للآخر بدون أي شروط أو تدخل خارجي، وفهم التغيرات الجذرية في بنية المجتمع بعيدًا عن أي تعصب طائفي أو قومي، وتكون نهاية هذه الحرب بداية لبناء مجتمع مدني ديمقراطي يجتمع فيه الجميع تحت قبة القانون والعدالة، هذا ما نجده في تجارب المجتمعات التي عانت من ويلات الحرب ولكنها خرجت منها أقوى اقتصاديا وعلميا وسياسيا.

الأعراق والطوائف في سوريا

تتميز سوريا بتنوع عرقي وديني كبير نظرا لموقعها الجغرافي المتميز وغناها بالموارد الطبيعية التي تجعلها صالحة لحياة السكان، فهي من أقدم الأماكن المأهولة، إذ تم اكتشاف آثار إنسانية فيها تعود لعصور ما قبل التاريخ، حيث لا يزال يوجد حتى الآن في معلولا قرب دمشق من يتكلم الآرامية التي تحدث بها السيد المسيح عليه السلام.

اللغة العربية هي اللغة الرسمية التي يتحدث بها غالبية السكان، حيث يشكل العرب نسبة 92%،ثم يليهم الكورد بنسبة 7%ويشكلون أكبر تجمع عرقي في سوريا، حيث حرم أكثر من 120 ألف كوردي من حق المواطنة والجنسية، وبالتالي فهم محرومون من المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية، إضافة للعديد من القوميات الأخرى منها الآشورية والسريانية والكلدانية والأرمنية والشركسية والتركمانية.

ولعل التنوع الطائفي يعتبر أحد الأسباب التي أدت لتقسيم سوريا مطلع القرن الفائت إلى عدّة دول منها (دولتين سنيتين: حلب ودمشق، ودولة جبل العلويين العلويّة، ودولة جبل الدروز الدرزية) ولكنها سرعان ما اتحدت في دولة مدنية واحدة سميّت باسم الجمهوريّة العربية السورية.[8]

وحسب الإحصاء الرسمي عام 1985، يشكل المسلمون السنة نسبة 76.1%، يليهم العلويون بنسبة و11.5%،و3% دروز، و1% إسماعيليون، و4.5% مسيحيون، و0.4% شيعة اثنا عشرية، ويرى بعض الباحثين أن نسبة المسلمين السنة في سوريا لا تقل عن 80%، وبحسب عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السابق) أن السنة مع الأكراد يمثلون نسبة 85% إلى جانب 9% من العلويين و5% من المسيحيين (بعد أن هاجر كثير منهم).[9]

أما التقديرات الأميركية فتقول أنّ: 77 % من السكان مسلمون سنة، و10 % علويون ومرشدون، 3% دروز وإسماعيليون وشيعة واثنا عشرية، و8% من السكان مسيحيون من طوائف مختلفة، وتوجد أيضا أقلية يزيدية في منطقة جبل سنجار على الحدود مع العراق.

وبفعل حركة الهجرة الداخلية، لا يمكن حصر منطقة جغرافية معينة بفئة عرقية أو دينية منفصلة، بل هناك أغلبية سنية إضافة لوجود ديانات يتوزع أهلها على الشكل التالي:

أولاً: السنة

أكبر طائفة دينيّة في سورية حيث يشكلون ما نسبته 75٪ إلى 80٪ من عدد السكان، وهم منتشرون في مختلف المناطق السورية ويشكلون أغلبيّة في 11 محافظة من أصل 14 محافظة سوريّة ومعظم المدن السوريّة، وتعتبر أهم التجمّعات كالعاصمة دمشق وحلب وحمص وحماة مدنا سنيّة، وبشكل عام فنسبة السنّة في المحافظات تشبه نسبتهم من تعداد سكّان سورية.

تقدر الأمم المتحدة أن عدد السكان في سوريا انخفض من 24.5 مليون نسمة قبل اندلاع الحرب إلى نحو 17.9 مليون شخص حاليا، يصنف “أيضا” ستة ملايين منهم كنازحين داخل سوريا بعد اضطرارهم للفرار من ديارهم للبحث عن أماكن أكثر أمنا. [10]

الغالبية العظمى من النازحين واللاجئين من السكان السنة، فالأردن لجأ إليها أكثر من مليون ونصف، وتركيا لجأ إلها ثلاثة ملايين شخص مسجلين بصفة حماية مؤقتة، أما لبنان فقد لجأ إليها أكثر من مليونين، ما مجموعه 6.5 مليون نسمة كلهم من السنة، أضف إلى ذلك اللاجئين في العراق ومصر والسودان ودول أوروبا وأمريكا، وإذا ما حسبنا عدد القتلى والجرحى الذين بلغ عددهم مليوني سوري[11] نجد أن التركيبة السكانية بدأت تهتز بشكل صارخ وجلي.

ثانياً: العلويون

يتركز أبناء الطائفة العلوية التي تتبع المذهب الجعفري الشيعي الإثني عشري في قرى الساحل السوري، وبعض مناطق الداخل والقريبة من الداخل، وتعتبر ثاني أكبر طائفة في سوريا، حيث يشكلون ما بين 7- 15 % من عدد السكان، يتركز العلويون في مناطق الساحل في محافظتي اللاذقية وطرطوس إضافة لتواجدهم في مناطق متفرقة من حمص وحماه ودمشق.

وقد دفعت الطائفة العلوية ثمنا باهظا دفاعا عن النظام السوري فمن بين 250 ألف شخص في سن تؤهّلهم لحمل السلاح، ثلث هؤلاء أصبحوا في عداد القتلى، حتى أن القرى العلوية الواقعة في تلال اللاذقية خلت من الشباب خلواً شبه تام.[12]

ثالثاً: الدروز

الكثافة الأعلى لهم في المنطقة الجنوبية بجبل العرب في محافظة السويداء، فضلا عن وجود أكثر من 40 ألف درزي في هضبة الجولان المحتل يتحدثون اللغة العربية، ويطلقون على أنفسهم اسم “الموحدين”، إذ يؤمنون بوحدة الله وبالديانات السماوية، ويعتبرون أن كل الديانات على غرار اليهودية والمسيحية والإسلام متشابهة.

نسبة كبيرة منهم مغتربون في دول الخليج ودول أميركا اللاتينيّة خصوصاً فنزويلا، وقد انتفضوا سنة 2000 ضد حكم حافظ الأسد بسبب ممارسات الأمن، حيث انتهت انتفاضتهم باقتحام الدبابات لمدينة السويداء.

 حذر الشيوخ الدروز في سوريا من الحرب، ودعوا إلى البقاء بعيداً عن مرمى الاشتباكات في بداية الحرب السورية، ما لبثت أن انضمّت وحداتٌ صغيرة من الطائفة الدرزية إلى المعارضة السورية والجيش السوري الحر، إذ تمكنت من السيطرة على جزءٍ كبير من محافظة السويداء، ولكن دعوات التطهير العرقيّ والدينيّ فضلاً عن احتجاز الرهائن، وقتل بعض المدنيين في شمال إدلب على يد جماعات متطرفة،ونتيجة حسابات إقليمية معينة، منها مقاربة اسرائيل للوضع في سوريا، وعدم حصول الثورة السورية على الدعم الدولي اللازم لإنهاء النظام دفعهم للتراجع، وتقف نسبة كبرى منهم حاليا لجانب النظام بعد أن شكلوا مليشيات مسلحة مدعومة من قبله وتقاتل مع قواته.

رابعاً: المسيحيون

الطائفة المسيحية هي الطائفة الأكثر انفتاحاً وتعليماَ وتمدنا في سوريا، ينتشر المسيحيون في كل أنحاء البلاد، وفي بعض المدن يتركزون في أحياء معينة، أو في قرى بأكملها، مع الإشارة إلى وجود عرقيات مختلفة مثل الآشوريين والكلدان والسريان والأرمن والآراميين.

ودخلت المسيحية إلى سوريا في عهد باكر جداً في البدايات الأولى للمسيحية، ومنها انطلق عدد من الرسل وآباء المسيحية إلى العالم، يوجد في سوريا الكثير من المقدسات الهامة في تاريخ المسيحية وتعد أقدمها من أديرة وكنائس، بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام تحول أكثرهم للإسلام، عدد من مسيحيي سوريا انتقل إلى لبنان أثناء الحكم الفرنسي، والكثير من العائلات المسيحية في لبنان هي عائلات سورية، كما هاجر الكثير منهم إلى البلاد الغربية عقب قوانين التأميم التي حدثت بعد استيلاء حزب البعث على السلطة، وتقدر الحكومة الأميركية عدد المهاجرين المسيحيين ما بين 1967 إلى 1968 بـ 300,000 مسيحي.[13]

تضمن التشريعات والقوانين لهم حقوقاً سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية على قدم المساواة مع باقي الطوائف والأديان التي تشكل المجتمع السوري، ورغم ذلك نجد أن أعدادهم في تناقص مستمر خصوصا خلال السنوات القليلة الماضية، لعل السبب الأبرز لهجرتهم هو العامل الاقتصادي والبحث عن فرص أفضل للعيش.[14]

انخرط العديد من النشطاء المسيحيين في الجوانب اللوجستية للثورة، وذلك في بداية انطلاقتها، فقاموا بتوظيف قدراتهم لتغيير نظام الحكم والتخلص من عبء الأجهزة الأمنية، ولكن عدم وجود قيادة مشتركة للثورة، إضافة لسيطرة المتشددين على مساحات واسعة من البلاد دفعهم للحذر والتراجع، وانخفض عدد المسيحيين في سوريا منذ بداية الحرب من 2.2 مليون إنسان إلى 1.2.[15]

وتجدر الإشارة إلى أن المسيحيين يتبنون مبدأ علمانية الدولة ويشجعون عليه لأنه الضامن للعيش المشترك، فبحسب اعتقادهم أن تراجع العلمانية يعني نهاية التعايش وتفاقم مشكلة الهجرة، لأن سوريا حسب وصفهم لا يمكن أن تكون إلا علمانية إن أرادت أن تسير على خطى التقدم والحداثة.

خامساً: الشركس

لا توجد إحصاءات رسمية للشركس في سوريا وتقدر أعدادهم بين 100-200 ألف نسمة، وهم متواجدون في سوريا منذ بداية هجرة الشركس إليها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد ثورة القائد (شامل) ضد الحكم القيصري وفشل تلك الثورة، وتكثفت هذه الهجرة في مطلع القرن العشرين.[16]

وقف شركس سوريا بعيدين عن الثورة مع استثناءات لبعض الناشطين والمعارضين غير أن الشريحة الأهم منهم وقفت على الحياد فهي ضد النظام القمعي ومع الديمقراطية لكنها في نفس الوقت خائفة من القادم وتخشى على مكونها الأقلي في سوريا.

سادسا: الأكراد

يقدر عددهم بأكثر من مليون كردي، يتركزون في المناطق الشمالية الشرقية، خاصة محافظة الحسكة والقامشلي والشمالية في ريف حلب قريبا من الحدود مع تركيا، إضافة إلى حي الأكراد في دمشق، وينتشرون على كافة الأراضي السورية ويختلطون تماماً بالنسيج السوري المتنوع.

ضيقت الحكومات السورية المتعاقبة على الأكراد ولم تعترف بحقوقهم كحق تدريس لغتهم في المدارس العامة وإقامة مدارس خاصة بهم وإصدار صحف باللغة الكردية، ولم تفتح أمامهم كامل وظائف الدولة، إضافة إلى أنها أهملت مناطقهم ولم تشملها بالتنمية كبقية المناطق السورية رغم غناها الزراعي والنفطي والبشري فضلاً عن إبقاء قضيتهم في الحصول على الجنسية والمواطنة معلقة، ما حرم أكثر من 160 ألف كردي من حق الجنسية.

 انسحب النظام السوري في بداية الثورة من بعض المناطق التي يقطنها الأكراد في شمال شرق سوريا وشمال غربها وقام بتسليمها إلى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي قام باستعراض قوته وإنزال الأعلام السورية ورفع الأعلام الكردية مكانها على المؤسسات والمباني الرسمية.[17]

ورغم خصوصية الحالة الكردية السورية إلا أنه لا يمكن فصلها عن القضية الكردية الإقليمية، إذ يجد الأكراد أنفسهم أمام فرصة قد لا تتكرر للسير خطواتٍ على طريق إقامة الدولة الكردية الكبرى التي جرى تأجيلها لأكثر من 100 عام، منذ أن تم إعطاء الأكراد وعداً من قبل البريطانيين والفرنسيين بإقامة دولة كردية مستقلة، وذلك بموجب معاهدة سيفر عام 1920، لكن هذه الدولة لم ترَ النور نتيجة الظروف السياسية التي سادت العالم حينها لذلك ينشدون اليوم في ظل ما يحصل في سوريا لتحقيق مكاسب قومية والوصول إلى الفيدرالية أسوة بإقليم كردستان العراق.[18]

وتدعم الولايات المتحدة القوات الكردية بما فيهم حزب العمال الكردستاني، خاصة في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية ISIS)) ومع وصول إدارة ترامب إلى الحكم زاد الدعم الأمريكي للأكراد السوريين، فقد وصلت مركبات مدرعة لأول مرة لهذه القوات، وقد ضمت الشحنة ذاتها أيضًا ناقلات جند وأسلحة متطورة، إضافة لزيادة عدد القوات الأمريكية والقواعد التي أنشأتها في مناطق سيطرتهم. [19]

سابعا: التركمان

لا توجد إحصائية دقيقة، لكن بعض المصادر رجحت أن تكون نسبتهم 3% من تعداد السكان، وهم يتوزعون في كل من حلب ودمشق وحماة وحمص والجولان واللاذقية والرقة ودرعا، عملوا بالزراعة والتجارة وانخرطوا في النشاطات الثقافية والسياسية.

لم يحصل تركمان سوريا على حقوقهم في الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا رغم وجودهم الكبير، وذلك بغاية خفض التمثيل المجتمعي لتركمان سوريا في البرلمان بعد الاستقلال، وكان لا يسمح لهم في أن يمثلوا قوميتهم في مجلس الشعب السوري في انتخابات 1954، وفي عام 1953 تم إلغاء النظام الطائفي تماما.[20]

اعتقل النظام السوري المئات من مثقفيهم وتحفظ عليهم بالسجون في فترة التسعينات، وتمت محاربة لغتهم وتجريم النشر والكتابة بها، ومنع نشر ثقافتهم المختلطة بالتركية، وعدم الترخيص للجمعيات الثقافية التي تعنى بذلك، ليس هذا فقط، بل تم فرض المزيد من التشريعات التي قلّصت الأحوال الشخصية الخاصة بهم، كما أنهم مُنِعوا من المشاركة في القطاعات العسكرية والأمنية، وتم منعهم من الحصول على جوازات السفر.[21]

لم ينضم التركمان للثورة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد في بداياتها، إلا أن الظروف المتعاقبة وزيادة مستوى العنف دفعتهم في النهاية إلى الانخراط في الصراع، وشكلوا ألوية عسكرية منها لواء الجولان في دمشق واللواء التركماني الأول في القلمون، والذي تشكل من أبناء القصير الذين نزحوا بعد اجتياح مدينتهم، وتمكنوا من تأسيس كتل سياسية ناجحة في تركيا موطنهم الأم، وأنجزوا العديد من الأمور التي تخص التركمان، بما يتعلق بأمورهم القانونية وعملية نزوحهم وهجرتهم وإيوائهم في المخيمات داخل سوريا وخارجها في تركيا ولبنان، إلى جانب تأمين الغذاء والمؤن والدواء للمحاصرين والنازحين في الداخل السوري أيضًا.[22]

ثامناً:اليهود

اليهود أقدم طائفة دينية في سوريا، كما أن أقدم كنيسة لليهود في العالم توجد في دمشق، فيما خرجت أول كتابة للتوراة من مدنية حلب الواقعة شمال غرب سوريا.

عاش في سوريا قبل عام 1942 نحو ثلاثين ألف يهودي، كانوا موزعين على دمشق وحلب والقامشلي، تقلص عددهم نتيجة هجرة الآلاف منهم عام 1947 مع صدور قرار تقسيم فلسطين واستعار الحرب خلال محاولة اليهود احتلالها وإعلان وثيقة الاستقلال على أرضها.

وقبل حقبة حكم حافظ الأسد كان ممنوعا على اليهود التنقل داخل سوريا دون موافقة رسمية، وأما سفرهم خارج البلاد فكان صعبا جدا، فيما استمرت مشكلة رئيسية لهم وهي كتابة كلمة موسوي [23]على خلفية بطاقاتهم الشخصية.

ومع اندلاع شرارة الحرب عام 1967 فرّ عدد منهم ولم يبق سوى نحو مائتي يهودي هاجر عدد كبير منهم خلال تسعينيات القرن الماضي بعد سماح حافظ الأسد لهم بمغادرة البلاد، فيما أشارت آخر الإحصاءات إلى أن 22 يهوديًا فقط بقوا في سوريا خلال السنة الماضية، ولعلّ الأرجح أن سوريا صارت خالية من اليهود بعد تنفيذ إسرائيل عمليات لإجلائهم خلال العامين الماضيين.[24]

لا يعترف يهود سوريا بثورة في البلاد، حتى حين كانت بينهم في حي جوبر الدمشقي، وأثناء ارتكاب قوات الأمن السوري للانتهاكات بحق أهالي الحي كانوا يتهمون الجيش الحر بقصف كنيسة “سيدنا الخضر” في جوبر وتهديدهم.[25]

نفذت جهات أمريكية وإسرائيلية عملية عسكرية لإجلاء إحدى آخر العائلات اليهودية المقيمة في مدينة حلب شمالي سوريا ومنح بعض أفرادها ما يعرف بـحق العودة إلى إسرائيل.[26]

تاسعاً: الشيعة

يشكل الشيعة 0.4 في المئة، حيث وجدت الأغلبية الشيعية الكبيرة التي هجرت العراق قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 ملاذها الآمن في سوريا، وأبرز المناطق التي يتواجد فيها الشيعة بسوريا هي: في العاصمة دمشق زين العابدين والجورة والأمين، وكفريا والفوعة شرق ادلب، والتي يبلغ عدد سكانها20 ألف نسمة كلهم شيعة، وفي درعا حيث يتواجد حوالي ألف نسمة، وفي حمص يتوزع الشيعة على قرى كثيرة أهمها أم العمد، وتوجد أقلية مهاجرة من لبنان تمركزوا في عدة مناطق منها: الشيخ مسكين، نوى- مزيريب، المليحة، الكسوة.[27]

بدأ الظهور الشيعي العلني في دمشق بعد عام 2011، فانتشرت الرايات السوداء وأعلام حزب الله في المدينة وفي ساحات المسجد الأموي بعد أن كان تواجدهم مقتصراً على منطقة السيدة زينب وحي زين العابدين.

جرى ذلك بعد دخول المقاتلين الشيعة بصورة مباشرة إلى جانب النظام السوري بتوجيه ودعم مباشر من إيران وذلك لعدة أسباب نذكر منها:

  • تحقيق حلم الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران للعراق ويصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
  • الأطماع التاريخية بعودة النفوذ الفارسي للمنطقة والذي وحسب معتقدات الشيعة سيعجل بظهور المهدي المنتظر.

عاشراً: الاسماعيلية

تبلغ نسبة الإسماعيليين حوالي 1% من إجمالي تعداد سكان سورية، يتركز وجود الطائفة الإسماعيليّة في سورية وبشكل أساسي في محافظتين: حماة وتحديدا في منطقة “السلمية ومصياف” إضافة لأقلية صغيرة في حماة المدينة، ومحافظة طرطوس ببلدة القدموس وريفها.[28]

الطائفة الإسماعيلية أكثر الأقليات الإسلامية انفتاحا على الإطلاق، وهم محبوبون نسبيا في سورية، وخصوصا بعد الثورة لأنهم الأقلية الوحيدة التي خرجت مع الثورة في بدايتها، لأنهم فعلا عاشوا ليس كأبناء أقلية وإنما كأبناء البلد، وهناك 24 ألفا من أبناء السلمية هم بحكم الفارين من الخدمة الإلزامية[29]

تأثير الحرب على الروابط الاجتماعية

تعتبر القيم التي كان يتميز بها الشعب السوري قبل 2011 مثالا يحتذى به للشعوب الأخرى، حيث لا فرق بين مسيحي ومسلم ولا بين فقير وغني إلا من خلال ما يقدمونه من أعمال تخدم المجتمع والبلد ككل، ولكن نتيجة استمرار الحرب لفترة طويلة وما صاحبها من الفقد والغياب والشهادة والموت والوداع والبكاء والهجرة وفقدان مصادر الدخل والبطالة والبحث عن عمل مهما كان نوعه وطبيعته، وإيجاد المأوى والأمن والأمان وتأمين أجور البيوت، كل ذلك ساهم بتفكك الروابط الاجتماعية في ظل تقطيع أوصال الأسرة الواحدة بين النزوح واللجوء والانعزال.

ونتيجة الأوضاع الأمنية التي تهدد حياة السوريين والظروف الاقتصادية المزرية التي يعيشونها، أصبحوا عاجزين حتى عن التواصل العاطفي فيما بينهم وسادت القسوة بالتعامل.

بدت حالة استقطاب واضحة وانقسم المجتمع بين مؤيد للثورة ومعارضٍ لها، الانقسام الذي امتد إلى داخل الأسرة الواحدة فكرياً وسياسياً وعقائدياً، وبرزت الأنانية وحب الذات والبحث عن المصلحة الفردية وعدم احترام العلاقات وغيرها من الأمور التي كانت من صلب طبيعة مجتمعنا.

من جانب آخر وجد اللاجئ نفسه تحت ضغط التزامات كبيرة في مجتمع غريب عنه، أجبره على تعلم لغات غريبة عنه، بالإضافة إلى ما توجب عليه من استخراج أوراق رسمية وترتيب شؤونه وشؤون أسرته في بيئته الجديدة التي تختلف في عاداتها وتقاليدها عن بيئته الأساسية، وكان لها الأثر السلبي على الروابط الاجتماعية من ناحية صعوبة التواصل وغيرها.

ومن نتائج امتداد الحرب تجلت قضايا كثيرة أمام عموم المجتمع السوري منها: تراجع وانحسار دور أطراف الصراع العسكري بالسيطرة على حاضنتهم الشعبية، ساهم ذلك إلى حد كبير في تخفيف حدة التوتر الطائفي في المجتمع.  

حيث فشل النظام بالسيطرة على مناطق واسعة تقع تحت سيطرة المعارضة بعد سنوات من الصراع الدامي،إضافة لانعدام الأمن والأمان في مناطق سيطرته، حيث ترافق ذلك مع سياسة الإفقار والتجويع التي نالت من أغلبية الشعب السوري، والدور الذي تلعبه مافيات الخطف والسرقة والابتزاز مع غياب القانون والمحاسبة، كل ذلك أثر على القاعدة الشعبية للنظام حيث انكشف شعبيا أمامها.

 أما على صعيد المعارضة، فقد ساهمت الانقسامات العسكرية والصراعات التي دارت بين أطرافها، خاصة بعد صعود تنظيم الدولة (ISIS) والنصرة وابتعاد هذه القوى عن قيم وأهداف الثورة بدفع المجتمع لاتخاذ مواقف من القوى العسكرية حسب قربها وبعدها عن قيم الثورة.[30]

الإجراءات الواجب اتخاذها لتخفيف آثار الحرب على الروابط الاجتماعية

  • إعداد خطط عمل تعليمية وتربوية لرفع مستوى ثقافة المواطن السوري بشكل عام والفئة العمرية التي ترعرعت في أجواء الحرب بشكل خاص.
  • توفير ظروف حياة كريمة للمواطنين تتناسب مع غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار من خلال زيادة عدد المشاريع التنموية والإعمار وتوفير فرص العمل.
  • إقامة مراكز دعم وتأهيل اجتماعي تستهدف كافة شرائح المجتمع السوري لتعزيز الروابط الاجتماعية ونزع بذور الأنانية والفساد التي انتشرت خلال الفترة الماضية.
  • إعادة تأهيل المنظومات الأمنية في مناطق النظام والمعارضة حسب قوانين حقوق الإنسان بهدف القضاء على ظواهر القمع والكبت ومصادرة حرية التعبير المتفشية في كافة المناطق السورية.
  • تعزيز الحريات السياسية للسكان من خلال إنشاء منظمات حقوقية مستقلة تعنى بمراقبة الانتهاكات، وتوطيد ونشر ثقافة التنوع وقبول الأخر، وتفعيل دور الأحزاب والتيارات السياسية التي تضع في أولوياتها الإنسان، ودعم التجمعات الفكرية والنخب الثقافية لأنها الأقدر على صناعة القرار ورسم مستقبل البلاد بما يتناسب مع حاجات السوريين.

تصاعد التيّارات الدينيّة الإسلاميّة المحافظة

بعد بداية الثورة السورية 2011 وتحولها إلى صراع مسلح بين الفرقاء السوريين، برزت ظاهرة التيارات الإسلامية المتشددة نتيجة لعدة عوامل نذكر منها:

  • الوضع الاقتصادي المتردي وسيطرة الأقليّات خصوصاً الأقليّة العلويّة على معظم الاقتصاد السوري.
  • تأثر السوريين بشكل عام وفئة الشباب خصوصاً بالأفكار الإسلاميّة المحافظة بفعل عدة عوامل منها الحماس الديني والعاطفي نتيجة الرسائل التحريضية التي عملت هذه التنظيمات على نشرها عبر وسائل الاتصال.
  • التدخل الإيراني المباشر أو عن طريق وكلائهم في المنطقة وتزايد أعداد المرتزقة من الشيعة والأفغان عامة وارتكابهم أشنع المجازر بحق السوريين من ذبح وحرق وتشريد جماعي.
  • تردد المجتمع الدولي في دعم قضية الشعب السوري والتذرع بحجج واهية إضافة للتغاضي عن الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد وحلفاؤه.
  • العنف الذي واجه به نظام الأسد وأجهزته الأمنية السوريين من قصف بالبراميل المتفجرة وارتكاب المجازر الجماعية وحرق السجناء قبل أو بعد تصفيتهم وانتهاء باستخدام الأسلحة الكيماوية.
  • الاستراتيجية التي اتبعتها أنظمة الحكم في دمشق، بغداد، طهران، للسيطرة على خيرات منطقة الشرق الأدنى والتأثير على مستقبلها السياسي.
  • ابتعاد نظام الحكم عن تقاليد غالبية الشعب السوري الذي ينتمي للطائفة السنية والعمل بقوانين قديمة نسبيا لا تناسب واقع العولمة الذي نعيشه في عصرنا الراهن.
  • الدعم المالي والعسكري الكبير من قبل الأفراد والدول للفصائل الإسلامية دفع الكثير من عناصر الجيش الحر للالتحاق بصفوفها.
  • الدور الذي لعبته دول الخليج العربي في دعم وتمويل هذه الجماعات ورعايتها نتيجة حذرها وخوفها من انتصار ثورة ديمقراطية في سوريا تهزّ ارتداداتُها الإقليم بما فيه دول الخليج العربي ذاته.
  • شجّع الدعاة المعتمدون من الحكومات الشباب الغاضب على السفر إلى سورية، وفي حزيران 2013 قال أحد كبار المسؤولين في حكومة مرسي إن مصر لن تعاقب المقاتلين العائدين من سورية.

التداعيات السياسية للثورة السورية على المجتمع

شهدت سوريا منذ عام 2011 موجة  الاحتجاجات ضد الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة، وتسلط الأجهزة الأمنية على كافة مناحي حياة السوريين، وكانت الاحتجاجات السلمية تهدف للتغيير في المجتمع نحو نظام ديمقراطية ينادي بمبادئ حقوق الإنسان معتمدين بالأساس على العامل التكنولوجي والثورة الرقمية ليتطور الوضع فيما بعد إلى مواجهات عنيفة بين جموع المنتفضين ونظام الحكم القائم في البلاد الذي استخدم كافة أنواع العنف لإخماد الثورة، ما فتح الطريق أمام المتطرفين والمتشددين من جميع الأطراف لاستغلال الوضع القائم وإشعال نار الفتنة بين أفراد الشعب الواحد، مما زاد في تعقيد المشهد السوري لتواجه الثورة في سوريا حربا أهلية دموية بين مختلف المكونات إضافة لحربها مع النظام.

في ظل إصرار الشعب على سلمية ثورته كخيار استراتيجي له وتجنباً للدمار ومزيداً من القتل والعنف، اعتمد النظام استراتيجية ثابتة تحت شعار “الأسد أو نحرق البلد” متهما المظاهرات المطلبية التي انطلقت في عموم سوريا بأنها مؤامرة كونية تستهدف محور المقاومة والممانعة، وأكد على أن كل مسلح تقف خلفه عائلة تحميه وحاضنة شعبية وبالتالي وضع نفسه أمام مواجهة الشعب بأكمله.[31]

واستمرت روسيا بدعمه في المحافل الدولية منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة، فقد استخدمت حق النقض الفيتو خمس مرات ضد أي مشروع قرار يدين النظام السوري إلى أن كللت هذا الدعم بإعلان أولى ضرباتها الجوية في سوريا بتاريخ 30/9/2015 ليتحول لاحقا إلى قيادة مباشرة للعمليات على الأرض وفي الجو مترافقا مع دعم لوجستي وسياسي كبير، جاء ذلك مقابل التنازلات التي قدمها النظام السوري لصالح روسيا التي باتت تعمل اليوم على استراتيجية إعادة تنظيم المجتمع السوري من خلال مناطق خفض التصعيد التي تحاول تطبيقها في البلاد.

بينما  اكتفت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها حلفاؤها المتمثلون بدول الخليج وتركيا والاتحاد الأوروبي بتقديم الدعم اللوجستي وتدريب بعض مقاتلي المعارضة عن طريق برنامج المخابرات المركزية الذي أثبتت الأيام فشله، وكذلك تسليح قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل حزب العمال الكردستاني عمودها الفقري في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، جاءت كل التحركات الأمريكية في إطار التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة الدولة الإسلامية (ISIS) والإرهاب في سوريا، إضافة لقيامها بتوجيه ضربة مباشرة لقاعدة الشعيرات العسكرية إثر قصف الطيران الحربي السوري لمدينة خان شيخون التي تسيطر عليها قوات المعارضة بالأسلحة المحرمة دوليا بتاريخ 4/4/2017، هذه التحركات التي ستؤدي إلى مواجهة حتمية بين الأكراد الذين يسعون لإقامة دولتهم المستقلة وبين باقي أطياف المجتمع.

على صعيد المعارضة السورية فقد عملت على تشكيل العديد من الهيئات والتكتلات السياسية التي تتسم جميعها بطرح ضرورة الانتقال السلمي لدولة مدنية ديمقراطية تعددية يكون الشعب السوري هو صانع القرار السياسي فيها، لكنها تختلف فيما بينها بالآليات ولعل أهمها: هﻴﺌﺔ ﺍﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ والمجلس الوطني السوري وﺍﻻﺋﺘﻼﻑ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ السورية والهيئة العليا للمفاوضات.

يعيش المجتمع السوري مع هذه الأوضاع الداخلية والمواقف الدولية حالة اغتراب سياسي نتج عن سنوات القمع وإغلاق الأبواب أمام جل الأصوات الرافضة لخيارات نظام بشار الأسد الذي آثر مصالح المقربين منه على مصالح السواد الأعظم من شعبه، زاد من ذاك الإحساس وتلك المعاناة ظهور جماعات مسلحة متشددة استغلت بدورها حالة الفوضى القائمة لتنفيذ مشاريعها.

خلاصة

  • الريف السوري واسع النطاق ويشكل نحو 46% من السكان وعمله الأساسي في الزراعة كما في السياحة لبعض المناطق الريفية بنتيجة تضخم الريف وتحديثه، ولم تبق منطقة ريفية إلا تعرضت للضر حيث تركزت المعارك خلال الفترة الماضية في الأرياف أكثر منها في المدن ولذا فمن الضروري إعادة تأهيل القطاع الزراعي وبناء المجتمع في المناطق الريفية.
  • تعد سوريا من البلدان النامية والفتية، حيث 40% من الشعب السوري هم أطفال دون سن العاشرة، ومتوسط إنجاب المرأة السورية الواحدة 4 أطفال ويرتفع في المحافظات الشرقية عن هذا المعدل المتوسط إلى 7 أطفال في الأسرة الواحدة، وخلال فترة الحرب الممتدة في سوريا منذ 2011 لدينا جيل كامل تأثر بتداعيات الحرب، فمن الواجب إعداد الخطط التعليمية والنفسية لتوجيه هذا الجيل ليكون فعالا في إعادة بناء الدولة.
  • سوريا بلد متنوع عرقيا ودينيا، فموقع البلاد ونشاطها التجاري وغناها جعلها منطقة اجتذاب للهجرات منذ القدم، لكن المكونات الاجتماعية والقومية مؤهلة للتعايش بشكل سلمي فيما بينها بشرط بناء حكم متوازن وعادل.
  • تثبيت الهوية العربية باستعراب غالبية البلاد حصل في عصر الدولة العباسية في القرن العاشر، كذلك استقرار القبائل الكردية في حلب والجزيرة يعود أيضا لمرحلة ضعف الدولة العباسية في القرن الحادي عشر وما تلاه، وكان للحروب الأهلية بين الأمراء لاسيّماالسلاجقة دور في استجلاب قبائل تركمانية لمساندتهم في الحروب الداخلية فكل القوميات السورية لها تاريخ عريق في سوريا ويجب تنظيم مؤتمرات حوار وندوات مع كافة القوميات في سوريا لإيجاد صيغة تفاهم فيما بينها بهدف الحفاظ على وحدة سوريا.
  • لا تعاني سوريا من مشاكل في البنية الداخلية للدولة فقط، بل الأمر أبعد من ذلك وهو وجود بذور صراع مستحدث بين الثقافات والطوائف ناتج عن خلل في ممارسات السلطة خلال العقود الماضية، فمن الواجب دعم المشاريع التي يقودها الأفراد والجماعات داخل سوريا عن طريق الهيئات والمراكز التي ينشئونها والتي تعزز وحدة المجتمع السوري وتوطد العلاقات بين مختلف الطوائف.
  • حول المسألة الكردية في سوريا، يجب تنظيم مؤتمر لحوار صادق وصريح يهدف من خلال إشراك الدول المجاورة وإنشاء لجنة تحقيق خاصة معترف بها دوليا إلى التوصل لحل مستدام لوضع الأكراد في سوريا.
  • الثورة التي بدأت منذ 2011 والمستمرة إلى الآن أسست للجمهورية الثالثة،لذلك يجب أن تشمل المرحلة القادمة دستور ونظام حكم جديدين إذا أرادت القوى العظمى تعزيز السلام والوصول لحل جذري للقضية السورية بحيث لا يتفجر الوضع من جديد.

[1] نظرية العقد الاجتماعي، منارة دمشق، بابونج، تاريخ النشر 16/4/2016

[2]في ماهية المجتمع المدني، الغد، تاريخ النشر 18/3/2005

[3]في ماهية المجتمع المدني، الغد-أفكار ومواقف، تاريخ النشر 18/2/2005

[4] الهوية السورية المبددة..هل في وسع السوريين استعادة هويتهم الوطنية الجامعة؟ عبدالأحد صطيفو، مركز حرمون للدراسات المعاصرة تاريخ النشر 26/7/2016

[5]الورقة الخلفية لمؤتمر الهوية الوطنية: دمشق 6-7 أيلول/سبتمبر 2017، مركز دمشق للدراسات والأبحاث، تاريخ النشر 7/3/2017

[6]مرة أخرى: السوري بين الهوية والوجود، أحمد برقاوي، تطورات جنيف، تاريخ النشر 4/6/2017

[7]الصراع على هوية الدولة السورية، حسام ميروا، مجلة الخليج، تاريخ النشر 30/1/2017

[8]تعرّف أكثر على فسيفساء الشعب السوري، مواطن سوري، تاريخ النشر 5/9/2011

[9]التوزع الجغرافي لسكان، المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية، تاريخ النشر 14/4/2011

[10]الحياة والموت في سوريا-بعد خمس سنوات من الحرب، ماذا تبقى في البلاد؟الشرق الأوسط، تصميم: تشارلوت ثورنتون وتوم نيرس. تطوير: بونيت شاه. فيديو: عساف عبود وجو إنوود. انتاج فيديو إضافي: هنري كلارك برايس. كتابة وإخراج: بيلا هاريل وجون والتون وناسوس ستيليانو وإدوين لوثر ومايك هيلز وخليل لبد ومحمد يحيى، تاريخ النشر 15/3/2016

[11]إحصائية: نحو مليوني قتيل وجريح منذ اندلاع الثورة السورية.. فما هي خسائر كل طرف بالأرقام؟ الشرق الأوسط، تاريخ النشر 7/2/2015

[12]التلغراف البريطانية: ثلث العلويين القادرين على حمل السلاح قتلوا، كلنا شركاء، تاريخ النشر 4/7/2015

[13]السكان في سورية، المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية،  

[14]مسيحيو سوريا: قرى خاوية وأرقام غائبة ونزيف الهجرة متواصل، تيسير خلف، مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، تاريخ النشر 3/6/2014

[15]تقلص المسيحيين في سوريا بمليون منذ بداية الحرب، اسأل أكثر، تاريخ النشر 1/6/2016

[16]الشركس في سوريا.. أقلية أجبرها العنف على الرحيل، صحيفة العرب، العدد 9288 ص (13) تاريخ النشر 13/8/2013

[17] ملف خاص الأكراد السوريون.. سوريون أكراد، خالد قنوات، سوريتنا العدد 65، تاريخ النشر 16/12/2012

[18]هل يتحقق الحلم الكردي في سوريا؟ فاضل الحمصي، الجمهورية، تاريخ النشر 1/2/2017

[19]كيف غيَّر أكراد سوريا ساحة المعركة الآن؟ ميرفت عوف، ساسة بوست، تاريخ النشر 3/5/2017  

[20]التركمان في سوريا، عقود من الاضطهاد، سامية السيد، تركيا بوست، تاريخ النشر 30/9/2015

[21] التركمان: سر عدائهم للأسد ولماذا يمثلون رقمًا هامًا في الحرب الدائرة في سوريا زهراء مجدي، ساسة بوست، تاريخ النشر 26/9/2015

[22]التركمان السوريون، سيما نعناعة، عنب بلدي، تاريخ النشر 22/2/2016  

[23] لغز اللّحامين الذي تسبب في هجرة يهود سوريا، حيان نيوف، العربية، 4/4/2006

[24]“إسرائيل” تجلي عائلات يهودية من حلب السورية وتعيد فتاة بشبهة الإسلام، هيئة الإذاعة التركية، تاريخ النشر 9/11/2015

[25]يهود سوريا: مع الأسد.. ضد إسرائيل، فادري الداهوك، المدن، تاريخ النشر 2/6/2014

[26]“إسرائيل” تجلي عائلات يهودية من حلب السورية وتعيد فتاة بشبهة الإسلام، هيئة الإذاعة التركية، تاريخ النشر 9/11/2015

[27]أوضاع الشيعة في سوريا، محمد مظهري، مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، تاريخ النشر 1/6/2014

[28]الاسماعيلية.. شيعة مع الثورة السورية، مدونة مبادرتنا، أخر تحديث 26/11/2012

[29] مدينة “السلمية”.. بين مطرقة النظام وسندان “التنظيم” سارة ابراهيم، الجزيرة، تاريخ النشر 19/9/2014

[30]تأثير مسارات الحرب والحوار على العلاقة بين أطياف المجتمع السوري، سحر حويجة، شبكة المرأة السورية، تاريخ النشر 23/10/2016

[31]قرأه في الواقع السياسي في سوريا منذ بداية الثورة، محمد قنطار، تيار الغد السوري

ان اعجبك المقال اشترك ليصلك كل جديد

اترك تعليقاً