ظاهرة الانشقاق عن الجيش السوري: الأسباب والتداعيات

نتيجة لاندلاع الثورة واستمرار العمليات العسكرية في جميع أنحاء البلاد والاعتماد على “العناصر الأمنية” التي تدين بالولاء للنظام بدافع الانتماء الطائفي، وما يعانيه الجيش من تمييز وشروخ بنيوية، بدأ الانشقاق من المؤسسة العسكرية كدليل على رفض السياسة الأمنية والعسكرية التي اعتمدت في مواجهة المظاهرات.

مقدمة

تأسّس الجيش السوري في العام 1946م، وبرز بسرعة بصفته لاعباً رائداً في التطوّر السياسي لسورية، إلا أنه جسد منذ تأسيسه الحالة الوطنية وبقي محافظا على عقيدته بالدفاع عن حدود الجمهورية وتدريبه العسكري والمعنوي الجيد، على الرغم من انزياح بعض قياداته نحو خلق تكتلات معينة ذات أسس سياسية أو طائفية إنما لم تكن ظاهرة عامة.

دخل حافظ الأسد خضم القيادة العسكرية ووصل إلى الحكم عبر انقلاب عسكري في العام 1970م، ومارس السلطة وفق مبدأ “التحكم بالجيش هو مفتاح السلطة”[1]، وعمل على وضع النقطة الجوهرية التي تمس قيمة المؤسسة العسكرية السورية ككل “الارتباط بالأسد” وهو ما يعطي الجيش انتماءً لصالح الإدارة الحاكمة على حساب الانتماء للوطن، وبالتالي يُلغي عنه صيغته السورية أو العربية السورية كما يدعي، مطلقا في سبيل ذلك ذراع جهازي التوجيه السياسي وضابط الأمن لتكريس عبادة الشخصية وترويج المواقف السياسية للنظام.

عمل حافظ الأسد في سورية على فرض نظام حكم يقوم على الدمج بين حزب البعث والقوات المسلحة للهيمنة على مؤسسات الحكم، وتأسيس نظام حكم مدني ضعيف وأحزاب سياسة لا تملك نظرية سياسية ناضجة في مواجهة مؤسسة عسكرية تبسط نفوذها على كل الأجهزة المدنية، وبدأ بنموذج تأسيس جديد اتخذ شكل الظواهر  الجديدة على السوريين فاعتمد على هجرة الريف إلى المدينة، بهدف سوق المتطوعين إلى قطع الجيش من ريف الساحل بالدرجة الأولى إلى مختلف التشكيلات الكبرى في دمشق وحمص، وبدأت بعض التكوينات العسكرية الخاصة تتميز في الجيش، مثل سرايا الدفاع وسرايا الصراع سابقا والوحدات الخاصة والحرس الجمهوري، بامتيازات خاصة واحتكار السلاح الحديث والتدريب العسكري والحوافز المادية، لكن لم تكن عقيدتها القتالية موجهة للدفاع عن الوطن بل للدفاع عن النظام (الحرس الجمهوري لديه ما يشبه مناورة سنوية ” مشروع تكتيكي بالذخيرة الحية” لاحتلال دمشق بافتراض حدوث أي تحرك شعبي ضد النظام حيث يعرف كل عنصر مهمته حسب إحداثيات المكان ونوع سلاحه واختصاصه)، وظهر ذلك جلياً في أحداث الثمانينات المشهورة في حماه وحلب وإدلب حيث رسخ العمل العسكري ضد المدنيين في هذه المدن الوعي الطائفي لهذه المؤسسة لدى السوريين بقوة بارتكابها المجازر الجماعية وضرب السجون التي جمع فيها الآلاف من الشوارع بالدبابات[2].

اندلعت الثورة في سوريا وزجّ النظام السوري الجيش في معارك احتلال القرى والمدن المنتفضة وتقطيعها بالحواجز، الأمر الذي هيأ لكل المساوئ التي راكمتها المؤسسة العسكرية أن تطفو على السطح، بالإضافة لما تتضمنه من ظواهر مقنعة تتمثل بارتفاع نسب الفرار في صفوف الملتحقين بالخدمة الإلزامية، وانتشار ظاهرة الانتحار   وتعاطي المخدرات ومحاولة إيذاء النفس وظاهرة السرقة بين المقاتلين وازدياد عدد المتخلفين عن أداء الخدمة الإلزامية المنصوص عليها في الدستور.

 في هذه الورقة نسلط الضوء على واحدة من أهم الظواهر التي تعتبر نعمة ونقمة في آن واحد وأصابت المؤسسة العسكرية السورية في عهد نظام الأسد، وهي ظاهرة الانشقاق عن الجيش واقفين على الأسباب والتداعيات وصولا إلى جملة من النتائج المتعلقة بالمؤسسة المذكورة كونها أصبحت بين أمرين (إعادة هيكلة الجيش والأمن أو الحفاظ على مؤسسات الدولة ومن بينها المؤسسة العسكرية) في المشهد السوري الذي لا يزال قيد التشكيل.

أولًا: بنية جيش النظام وبدايات الانشقاق

تكرس الدعم السوفيتي والغطاء الأمريكي اللامحدودان للنظام السوري بعد اتفاقيات الفصل بين القوات السورية والاسرائيلية الموقعة عام 1974م، حيث كرست بدورها الجولان كأرض اسرائيلية بالتقادم، وكرست نظاما إقليميا منح الفرصة للرئيس السوري السابق حافظ الأسد أن يعمل على صياغة البلد وفقا لنظام ولاء عسكري بنواة صلبة علوية قيادية في الجيش[3]، وأكمل ما بدأ به بعد تعيينه وزيرا للدفاع بإعادة رسم خارطة فوقية للجيش وجعل اليد الطولى فيه  للطائفة العلوية وعيّن كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين منها ليضمن إحكام سيطرته على كامل المؤسسة العسكرية التي أُخضعت للقائد العام للجيش وهو رئيس الدولة إلى أن وصلت نسبة العلويين الذين يشكلون نحو 10 في المئة من إجمالي عدد سكان سوريا إلى حوالي 85% من نسبة المتخرجين من الأكاديميات العسكرية العليا، سواء داخل البلاد أو خارجها[4]. وهو ما أطلق عليه “ظاهرة علونة” الجيش من خلال تسليم الأماكن والمفاصل الحساسة في المؤسسة العسكرية لأشخاص موالين، شديدي الإعجاب بالتركيبة الطائفية الأمنية للنظام القائم، مستعدين أن يفدوا القائد بالروح والدم، منهم على سبيل المثال ابراهيم صافي قائد الفرقة الأولى، شفيق فياض قائد الفرقة الثالثة، علي الصالح قائد سلاح الدفاع الجوي، محمد ابراهيم العلي قائد الجيش الشعبي، رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع، علي حيدر قائد الوحدات الخاصة، علي دوبا رئيس شعبة المخابرات العسكرية، محمد الخولي رئيس المخابرات الجوية، عدنان الأسد قائد سرايا الصراع، ولاحقا الحرس الجمهوري عدنان مخلوف شقيق زوجة الأسد، محمد ناصيف رئيس فرع دمشق لمخابرات أمن الدولة ، زهير الأسد وحافظ مخلوف.

عملت أكثرية الأسماء السابقة على تطويع الشباب العلوي في القطعات العسكرية، وبنوا لهم أو سمحوا لهم ببناء عشوائيات محيطة بدمشق في أملاك الدولة، في الكسوة حول مقر قيادة الفرقة الأولى، والقطيفة حول قيادة الفرقة الثالثة، وبرزة- عش الورور، والمزة حي 86 لسرايا الدفاع، والسومرية.

بدأ السوريون خلال ذلك يعرفون ضروبا خيالية من الفساد ونهب المال العام بدءا من مصادرة مساحات شاسعة من أراضيهم وتوزيعها على ضباط الأمن والجيش في صورة بناء مساكن لهم، رافقها حوافز كبيرة حرص حافظ الأسد على تعميمها لإغراء الآلاف من أبناء طائفته للانخراط في السلك العسكري والاستفادة من ذلك الأمر بشكل ملموس، هادفا من وراء ذلك إلى بناء عقد اجتماعي يلتحم من خلاله هؤلاء الملتحقون بالجيش والأمن كأمر واقع للدفاع عن المزايا والوضعية اللتين أسبغتا عليهم رابطين مصيرهم الشخصي ومصير عائلاتهم ببقاء النظام، وليس أدل على ذلك أنه في العام 2000، عند وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد، أرسل العديد من ضباط ضاحية الأسد والمساكن العسكرية في قطنا والقطيفة عائلاتهم إلى قراهم ولم تعد هذه العائلات إلا بعد أن تم تثبيت بشار كرئيس جديد[5]. ونجم عن تلك السياسة التي اتبعها النظام أمرين:

1 – نظام السكن العسكري ذو الأغلبية العلوية،  عمَّقت إحساسهم بالعزلة عن غير العلويين، ودفعتهم إلى الاعتماد أكثر على الجيش من أجل الدفاع عن أنفسهم.

2 – منعت سياسة النظام الاقتصادية والتنموية قيام مشاريع سياحية في المدن والأرياف الساحلية التي ينحدر منها غالبية أبناء الطائفة العلوية وأغلبها أرياف جبلية فقيرة، ما اضطرهم للالتحاق بالجيش لتأمين مصدر عيشهم[6]، وبالتالي استثمار سلطتهم للاستفادة من مظاهر الفساد المنتشرة.

وفي المقابل مكّن نظام القطاع الذي أسسه حافظ الأسد بداية العام 1984م، وهو أحد مظاهر الفساد التي مُنحت لقادة الفرق من تشكيل إقطاعيات في مناطق انتشارهم، حيث تقع هذه القطاعات، وينصّ على أن “القائد يستطيع التعامل مع أي حَدَثْ ضمن قطاعه، من دون طلب إذن القيادة، من استخدام نظام القطاعات للحدّ من نفوذ قادة الفرق، بتأليب أحدهم على الآخر، أو تقليص نفوذه بحجة الفساد فعلى سبيل المثال، خلال تسعينيات القرن الماضي، سيطر قائد الفرقة الأولى، إبراهيم الصافي، على بلدة الكسوة والمناطق المحيطة بها على مشارف دمشق، حيث تواجد قطاع الفرقة الأولى. ولاستعراض سطوته، بنى بشكل غير شرعي منزلاً صيفياً خارج محيط القطاع، بالقرب من مساكن المدنيين في الكسوة – ولم يلقَ سوى معارضة ضئيلة[7].

نتيجة لاندلاع الثورة واستمرار العمليات العسكرية في جميع أنحاء البلاد والاعتماد على “العناصر الأمنية” التي تدين بالولاء للنظام بدافع الانتماء الطائفي، وما يعانيه الجيش من تمييز وشروخ بنيوية، بدأ الانشقاق من المؤسسة العسكرية كدليل على رفض السياسة الأمنية والعسكرية التي اعتمدت في مواجهة المظاهرات، وتبعه انشقاقات في جميع مكونات النظام  دلت جميعها على أن قبضة الأسد على السلطة تتفكك، ووضعت المعارضة السورية أمام امتحان تجلى بقدرتها على إيضاح هدفها بإسقاط النظام والعمل على بناء دولة عبر آليات قانونية.

ثانيًا: الأسباب والدوافع الموجبة للانشقاق

تتشكل كافة الظواهر بوجود مجتمع تنتظم حياته ضمن توافقات صريحة أو ضمنية تتعلق بتدبير الشأن العام للمجتمع في صيرورته الداخلية أو علاقاته الخارجية، وتؤثر على المسار العام للمجتمع، ولأن الانشقاق عن الجيش السوري الذي بدأ مع بداية الثورة السورية مطلع العام 2011م يعتبر ظاهرة مركبة سياسية – اجتماعية تشكلت في البداية بتأثير عوامل متعددة ثم تطورت ودخلت في تشكيلها النهائي عوامل مستجدة لم تكن مؤثرة في تشكيلها الأولي، لهذا لابد من الوقوف على العوامل التي أسهمت في وجودها وظهورها للعلن.

أسباب كامنة وراسبة:

ويمكن إيجازها بما يلي:

1 – يعاني الجيش من التمييز والأفضلية بين الضباط السنة ونظرائهم العلويين، ويتـولى أبناء الطائفة العلويـة معظم المناصب القيادية في الجيش والبعثات التدريبية الخارجية، ويحمل الضباط السنة سخطا عميقا نتيجة إهمال مصالح الجيش كمؤسسة والعمل بشكل مستمر على تزويد الوحدات العلوية المسؤولة عن أمن النظام بكل ما يلزمها ويضمن تفوقها على وحدات الجيش النظامي لجهة التأمين المادي والمعنوي، ويشتكون من فرض منظومةٍ أخلاقيةٍ معاديةً لتعاليم الإسلام كشرب الخمر ومراقبتهم ومحاسبتهم بسبب ممارستهم شعائرهم الدينية، كما يعاني السنة في سورية من التمييز لدى تقديمهم للالتحاق بالكلية العسكرية، وبالتالي يبقيهم هذا التحيز الطائفي ضدهم إمّا خارج الأكاديمية العسكرية، أو في مراكز عسكرية هامشية فيما لو أُتيح لهم الدخول إلى فئة الضباط، واعتمدت سياسة التمييز الطائفي منذ بداية الثمانينات لمنع الثقل الديمغرافي السنّي من إعادة توليد نفسه في تشكيلات الجيش.

2–دفعت إيران نظام الأسد الابن إلى مواجهة مع الغرب لتعزيز  علاقاته بها مستفيدة من مخاوفه من أي انفتاح ديمقراطي في الداخل ومن التهديدات الأمريكية لسورية بعد غزوها العراق في آذار 2003م، و توتر العلاقات السورية – الفرنسية، بعد نكوص الأسد الابن بوعده للرئيس الفرنسي، بمنح حقل غاز تدمر لشركة (توتال) الفرنسية مستفيدة في كل ذلك أن الأسد الابن لم يكن في موقع مماثل لوالده، ولم يكن له الموقف ذاته من نمو دور إيران في الداخل السوري، فعززت إيران علاقاتها على مستوى ضباط الأمن والجيش، ووزعت مطبوعاتها التي تدعو إلى نشر عقيدتها في صفوف أكثر الوحدات العسكرية ولاء للأسد ” الحرس الجمهوري” ككتاب نهج البلاغة وشروحاته وفق المراجع الشيعية، ونظرية اللاعنف عند الإمام علي عليه السلام، وأصبح نفوذها غير الظاهر أقوى بكثير مما كان أيام الأسد الأب الذي لم يكن يسمح بذلك. فقد كانت وراء تشدد الأسد الابن في سياسته في لبنان، وهو ما دفع مجلس الأمن لإصدار قرار “محاسبة سورية” رقم 1559، في أيلول2004م، كما كان لها دور بارز في اعتماد الحل الأمني والمواجهة المسلحة ضد الانتفاضة السورية، وقدمت دعمًا غير محدود، سياسيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا وماليًا وأسلحة ومقاتلين، وخبراء وضباط عسكريين إيرانيين يشاركون في قيادة العمليات[8]، وأمام هذا التحالف بين النظام وإيران وعلى خلفية النزاع الشيعي السني المتفاقم في الشرق الأوسط، زاد من شكوك الضباط السنة، الذين ازدادت قناعتهم في العقد السابق لـ2011 بأن الخطاب الأيديولوجي للنظام قشرةٌ تخبئ طبيعته ودوافعه الطائفية[9].

3 – كان التهرّب من التجنيد ظاهرة واسعة الانتشار نسبياً بين المجنّدين في سورية لعدم وجود الجو العسكري السليم وضعف الدور التربوي من قبل الضباط وانتشار الابتزاز  التصاعدي والمحاباة والوساطات، وقد دلت دراسة بعنوان “بحث لظاهرة الفرار ” أن نسبة 21.8% فروا من الخدمة الإلزامية بسبب سوء المعاملة في الوحدات ( ابتزاز – ضرب شتم – وضغوطات)[10]وينطبق الأمر نفسه على المتطوعين من صف الضباط والمجندين، ومع اندلاع الثورة وعدم قدرة النظام على الحد من انتشارها وجد هؤلاء الفرصة سانحة للتخلص من الضغوطات بكافة أشكالها دون عقاب أو ملاحقة.

 

  

أسباب طارئة:

1 – تعرض الشعب السوري منذ بداية الثورة إلى سياسة قمع أمني شامل تجلت في إطلاق النار على المتظاهرين بشكل منهجي والتعذيب، وقصف المدن والأحياء المأهولة والتدمير والتهجير، وفي المقابل دأبت آلة الضخّ الإعلاميّ الرسميّة والخاصّة ضمن أساليب الدّعاية  على الربط ما بين الثورة الشعبيّة (بشقّيها الاحتجاجي المدنيّ والمسلّح) وبين تلك المظاهر الثورية بطابع التكفير أو الإرهاب والجهاد[11]، والطائفيّة أيضًا، ووسم الحراك الثوري بالإرهاب وتعبئة المقاتلين في وحداتهم بأن الإرهابيين منتشرون في المدن والأرياف وعليهم مواجهتهم.

2 –التحريض على الطائفة السنية والإشارة إليها بالبنان بأنها الحاضن الرئيس للاحتجاجات التي تريد الخراب والدمار لسورية مستفيدة من المحددات السابقة المتجذرة في الوعي الجمعي للطائفة العلوية بشكل خاص والأقليات الأخرى بشكل عام منذ أحداث ثمانينيات القرن الماضي، وذلك من خلال التعميمات والأوامر الإدارية الصادرة عن هيئات القيادة العامة 

للجيش أو إداراتها المختصة ومناقشتها في الاجتماعات ضمن التشكيلات. أو من خلال التلميح لهم خلال تنفيذ البرامج

اليومية للوحدات سواء من قبل قادتهم أو ممن معهم في نفس المرتبة القيادية. 

ثالثًا: تدابير اتخذها النظام للحد من الظاهرة

لم يكن الجيش السوري يتمتع بالمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقه قبل الثورة نظرا للسياسة التي  اعتاد حافظ الأسد ممارستها” إنماء مراكز القوة” في سوريا وإيصالها إلى الحد الذي يراه هو من القوة والهيمنة على قطاعات من مؤسسات الحكم ثم معالجتها بإقصائها المفاجئ أو التدريجي وهو ما طبقه على كثير من رجالاته…اللواء علي دوبا واللواء علي حيدر  واللواء علي أصلان واللواء شفيق فياض واللواء محمد الخولي واللواء ابراهيم الصافي وغيرهم الكثير  مروا على المشهد السوري الأمني والعسكري في سوريا من نفس اللون والطائفة ومن أصحاب الرتب الرفيعة تم التخلص منهم بالتدريج بعد أن وصلوا إلى حلقة حافظ الأسد الضيقة وسكنوها مؤقتا ثم نبذهم منها، كواحدة من طرق مواجهتهم وعدم السماح لهم بتنمية نفوذهم، بهدف إطباق سيطرته على الجيش، وينتج في المحصلة مؤسسة عسكرية تعاني من مشاكل جمة يسعى من خلالها قادتها إلى تحقيق مصالحهم الشخصية الضيقة، وظهرت خلال الثورة ظاهرة الانشقاق كواحدة من الظواهر التي فضحت في وجهها العسكري عمق الأزمة الأخلاقية التي تعيشها المؤسسة العسكرية التي أوغلت في دماء شعبها وتدمير بلدها،

وعلى الرغم من محاولة النظام في الظاهر تهوين هذه الظاهرة باعتبارها فقاعة إعلامية هدفها شن حرب نفسية لتحطيم معنويات قواته وتُوهم السوريين والعالم بأن الجيش النظامي على وشك الانهيار[12]، إلا أنه عمل في الخفاء على مواجهتها في محاولة منه لوقفها وفق التالي: 

1 –أنكر النظام حدوث انشقاقات هامة في صفوف الجيش، وسمى المنشقين عنه ب(فراري)، مدعيا أن هذه الحالات فردية ولا تشكل شيئاً بالنسبة لقوام الجيش السوري، ويعكف على التأكيد أن هذه الحالات أساسها طائفي أو تحدث بسبب إغراءات مادية يتعرض لها الجنود الفارون من الخدمة[13].

2 – حاول حشد قواته على الحدود التركية لإجهاض أي محاولة لإنشاء منطقة عازلة على الحدود التركية للمنشقين من النظام السوري[14]، الذين فتحت لهم تركيا الباب.

3 –  مراقبة الضباط السنة وزرع الجواسيس بينهم وقد يكونون من الضباط بعد إقناعهم بأن الثورة لا تشكل تهديدا للنظام فقط، بل تشكل تهديدا شخصيا لهم، واعتقالهم لمجرد الشبهة بهم.

4– منع الإجازات والمغادرات للعسكريين من الضباط وصف الضباط والأفراد إلى مناطقهم التي تشهد احتجاجات ومظاهرات سلمية كي لا يقفوا على حقيقة ما يجري في مناطقهم، وسحب كافة الهويات العسكرية من جميع الجنود الذين يؤدون الخدمة الإلزامية تصعيباً لمرورهم على الحواجز العسكرية في حال انشقاقهم، حيث جردوا من كافة الإثباتات الشخصية.

5 – التعتيم الإعلامي ومنع كافة وسائل التواصل والإعلام في الوحدات العسكرية، وتوجيه العسكريين وتعبئتهم من المنظور الذي يريده، فقد كشف المجند في الحرس الجمهوري وليد القشعمي أنه استدعي مع 250 من زملائه إلى مقر وحدتهم ” فرقة الصاعقة في الحرس الجمهوري” (الوحدة 227) في جبل قاسيون، حيث جرى إبلاغهم بأن “عصابات مسلحة” تعتدي على أمن الوطن في دمشق ومنطقة حرستا (ضاحية شرقي دمشق)، وعليهم التوجه للتصدي لها. وبحسب كلام المجند، فقد جرى إلباسهم البزات السوداء الخاصة بقوة مكافحة الإرهاب (تابعة لوزارة الداخلية) ونقلهم بباصات إلى المنطقة المقصودة “حرستا”. وعند وصولهم اكتشفوا أن الموجودين هناك متظاهرون مدنيون جميعا، ولا يوجد بينهم من يحمل حتى سكينا. ومع ذلك فقد تلقوا تعليمات بإطلاق الرصاص الحي على الجميع بهدف القتل. إلا أنه، مع زميل له، رفضا إطلاق النار وتوجها نحو الأهالي وسلماهم سلاحيهما، وخلال ذلك أطلقت عليهما النار من الأجهزة الأمنية بهدف قتلهما[15].

 

 

6– استغلال بعض الظواهر السلبية المنتشرة في صفوف الجيش للتخلص أو إلحاق الضرر الجسدي بالمجندين الذين يوشى بهم، وتأليف القصص والروايات المضللة حول إصابتهم ومنها حوادث إيذاء النفس أو الانتحار فيقوم ضابط الأمن بتدبير الحادثة ثم يرفع تقريرا بها إلى فرع المخابرات الذي يتبع له التشكيل ليقوم الفرع بدوره بتحويلها إلى الإدارة السياسية كظاهرة سيكولوجية، وإلى شعبة التنظيم والإدارة المسؤولة عن تنظيم الموارد البشرية في القوات المسلحة كغطاء على جرائمه.

 

 

7 – التصفية الجسدية لكل من يرفض أوامر إطلاق النار من الجيش وضباطه حيث يتم وضع الجيش في المقدمة ثم تأتي العناصر الأمنية خلفه، ولا يزال الأمر متبع حتى الآن.

8 – عندما عجز النظام عن إيقاف الانشقاقات برر على لسان رئيسه في إحدى مقابلاته الصحفية أن هذه عملية إيجابية يتم من خلالها تنظيف ذاتية الدولة أولا والوطن بشكل عام.

رابعًا: التداعيات والنتائج لظاهرة الانشقاق

1 – أدت الانشقاقات إلى تشكيل كتائب مسلّحة ضمّت المتطوّعين المدنيّين والعسكريّين المنشقيّن، وأناطت بنفسها مهمّة حماية التّظاهرات السلميّة وردّ الاقتحامات العسكريّة، وأدت من جانب آخر إلى أن استُدرج الشارع السوري وثورته السلمية إلى التسلّح والعسكرة استدراجًا بسبب ما قابلهم به النظام بأدواته القمعية كافة، بل ساهم استمرار آلة الدمار والقتل في تسريع عملية اعتماد العسكرة وتعزيزها[16].

 2 – استُهلكت قوات الأسد وبخاصة جنود المشاة التي يعتمد عليها في الأعمال القتالية، كون الجنود السنة يشكلون غالبيتها العظمى، وهذا ما دفع النظام للاعتماد على فرق الشبيحة وغيرها، وتشكيل الميليشيات كالدفاع الوطني، وعندما انتهى عصر الشبيحة بدأ النظام باتباع سياسة أخرى بمحاولة طلب الاحتياط، وعندما فشل في تجميع قوات احتياط تلبي حاجته حتى في منطقة الساحل بدأ بإغراء الجنود والضباط المتقاعدين، وعندما عجزت كل الأساليب السابقة توجه لتجنيد عناصر نسائية.

 3 – اضطرار القيادة إلى الاعتماد على قوات النخبة التي تدين بالولاء للنظام ” الفرقة الرابعة – الحرس الجمهوري – القوات الخاصة” ومزج وحدات الفرق الأخرى معها لاحقا مع نمو الثورة في محاولة منها اجتياز الاختبار الصعب ” تنفيذ الأوامر أو الانشقاق”. 

4 – شهدت كافة أنواع القطع العسكرية في الجيش السوري انشقاقات، ومن مختلف الاختصاصات العسكرية والفئات ” ضباط – صف ضباط – أفراد” وهو ما أدي إلى:

أ – طلبه من ميليشيا حزب الله اللبناني وإيران التدخل العسكري من خلال إمداده بالميليشيات الطائفية التي أدت بدورها إلى زيادة الاستقطاب الطائفي في الإقليم بشكل عام، وفي سورية بشكل خاص وأظهرت هشاشة الهوية الوطنية على حساب تغليب الانتماءات الفرعية.

ب – حل وحدات عسكرية بأكملها بسبب حجم الانشقاق الكبير فيها كالفوج 35 قوات خاصة، وكذلك الفوج 46 قوات خاصة.

5 – ارتفاع الروح المعنوية لدى الشعب السوري الثائر والدعم الشعبي لحراكه في ظل يأس وإحباط عام يسيطر على جيش النظام بسبب عجزه عن قمع الثورة.

6 – العمل على مأسسة الحراك المسلح من قبل الضباط المنشقين من خلال تشكيل “حركة الضباط الأحرار” و ” الجيش السوري الحر” لاحقا الذي عانى من صعوبات عدة أهمها:

أ -تراجع قنوات التعاون والتنسيق العسكري بين مكونات الثورة العسكرية في الداخل وهيئاتها السياسية في الخارج، أدى مع استمرار التغيير في السياسات الإقليمية إلى ظهور مسارات متناقضة بينهما.

ب –  الانشقاقات الداخلية والتنافس التي ساهمت في خروج بعض القيادات العسكرية من الجيش الحر.

       ج -النموّ الواضح لنفوذ كتائب ذات توجه إسلامي سلفي، وزيادة حدة التنافس بينها وبين المجالس العسكرية التي تشكلت قبلها[17]. ما أدى إلى معاناة الجيش السوري الحر على صعيد التسليح لاحقا.

8 – معاناة النظام من نقص الكوادر البشرية في صفوف الجيش، وظهرت للعلن من خلال المراسيم التي أصدرها الرئيس السوري بشار الأسد التي يعفو بموجبها عن العسكريين المتخلفين عن خدمة العلم والمنشقين منهم، كالمرسوم التشريعي رقم 71 في 23 تشرين الأول 2012م، بالإضافة إلى عزوف الشباب الموالي عن الالتحاق بالخدمة، وهو ما يعتبر ظاهرة بعينها لها تداعياتها السلبية على أداء قواته الحالية إذا ما استمرت المعارك.

خاتمة

 بلغ عدد حالات الانشقاق عن الجيش السوري نهاية العام 2011م حوالي 22ألف حالة انشقاق، ولا يوجد إحصائية دقيقة عن أعدادهم حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة، من جيش وصل تعداده العام عند التعبئة إلى /650 / ألف عسكري[18]، وتمثل ظاهرة الانشقاق حالة وطنية وإنسانية إلا أنها تعد من جانب آخر معولا يهدم إحدى مؤسسات الدولة السورية، خاصة أن استمرار النظام  في القتل والتدمير الممنهج دون أدنى انضباط بقوانين الحرب دفع الثورة السورية إلى طرح حل المؤسسة العسكرية والأمنية التي يسيطر عليها النظام في المحافل الدولية، أو إعادة هيكلتها، نظرا لما أحدثته من شروخات في بنية المجتمع السوري، ونجاحه في ربط مصير الطائفة بمصير النظام ما دفع باتريك سيل الذي كتب سيرة الرئيس السابق حافظ الأسد إلى القول إنه “ما دامت أجهز ة الأمن والجيش موالية للأسد فسيكون من الصعب جدا الإطاحة به، ويبدو لي أنه سيكون صراعا طويلا”. إضافة إلى أن الانشقاقات لم تجرِ من مؤسسة إلى مؤسسة أخرى بديلة، بل أخذت طابعًا فرديًا وعفويًا إلى حد بعيد ولجأ كل منشقّ إلى منطقته الجغرافية.

 

[1]المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية – كتاب الاستثناء السوري بين الحداثة والمقاومة – تأليف: كارولين دوناتي. ترجمة: لما العزب

[2]الراصد – قراءة تاريخية في عقدية الجيش ونظام الحكم الطائفي في سوريا– محمد العواودة

[3]صفحات سورية – البوطقراطية” الجيش والسياسة في سورية – غسان المفلح

[4]إرم نيوز – علونة الجيش في سورية – ابراهيم حاج عبدي

[5]مركز كارينغي للشرق الأوسط – خضر خضور –غيتو ضباط الأسد

[6]غد سوريا – أوغاريت – قصة حقيقية من سورية الأسد

[7]مركز كارينغي للشرق الأوسط – خضر خضور – القوة في الضعف: قدرة الجيش السوري العرضية على الصمود

[8]جيرون – انزلاق سورية تحت سيطرة إيران – سعيد إبراهيم –

[9]مرجع سابق رقم “4”.

[10]بحث لظاهرة الفرار في صفوف الجيش السوري – العميد د. نوفل حسن – الإدارة السياسية.

[11]المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – المظاهر العنفية في الثورة السورية – وحدة تحليل السياسات

[12]الجزيرة – برنامج ما وراء الخبر – تأثير الانشقاقات في صفوف الجيش النظامي السوري

[13]حنطة – أنا منشق أنا موجود – غياث عبد العزيز

[14]العربية نت – الجيش السوري على وشك الانهيار.. وعدد المنشقين يقترب من فرقة عسكرية

[15]حوار الشرق الأوسط مع المجند المنشق عن الحرس الجمهوري وليد عبد الكريم القشعمي

[16]جيرون – ظاهرة العسكرة وأثرها في الثورة السورية – مركز حرمون للدراسات

[17]جيرون – ظاهرة العسكرة وأثرها في الثورة السورية – مركز حرمون للدراسات المعاصرة   

[18]أورينت نت – برنامج هنا سوريا – جيش الأسد في عيده …الجيش الأكثر تلقيا للهزائم

ان اعجبك المقال اشترك ليصلك كل جديد

رشيد محمود حوراني
إجازة في التربية / قسم علم النفس 2002م – سوريا – جامعة البعث – حمص
العلوم العسكرية – مشاة 2004م – الكلية الحربية – مدرسة المشاة بحلب
دورة أساليب العمل المعنوي ” روائز قياس الروح المعنوية” في إدارة الشؤون المعنوية في جمهورية مصر العربية 2009م.
لديه العديد من المقالات المنشورة على مواقع ” شبكة شام الإخبارية – كلنا شركاء – جريدة مصدر – راديو فرش ”
والعديد من الأبحاث على موقع المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام.

اترك تعليقاً